تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 441

مساهمون:

ص٤٤١
من الأشاعرة وهم لم يثبتوا الثبوت ، بل المعتزلة اثبتوه . وما ذكره من جعل الأزلي وصفا لمتعلّق الكلام - أعني : العلم به - فحاصله أنّ كلامه الّذي نفسه حادث والعلم به قديم سمعه بلا صوت وحرف ، وهذا وإن لم يكن فيه فساد إلّا أنّه خلاف ظاهر قول الغزالي . وإذا لم يكن لأزلية الكلام المسموع معنى ينبغي التأمّل في أنّه إذا قطع النظر عن أزليته - بل قيل : بكونه حادثا - هل يجوز أن يكون مسموعا بلا حرف وصوت كما ذكره الغزالي أم لا ؟ . فنقول : قال بعض المشاهير لبيان ذلك : إنّ الكلام الّذي هو مسموع بلا صوت ولا حرف باعتبار الوجود العيني - أي : ما ليس له صوت ولا حرف في الوجود العيني أعني : عالم الملك وإن كان له صوت وحرف في عالم المثال أو عالم العقل - له معنيان : أحدهما : اللفظ الدالّ على المعنى المراد بإلقائه باعتبار الوجود المثالي البرزخي على نحو ما يسمع في المنام ، لا العقلي على نحو الالهام العقلي ؛ وثانيهما : المعنى الّذي هو مقصود بالذات بإلقاء اللفظ الدالّ عليه ، وهذا هو الكلام بالحقيقة عند الغزالي . نظير هذا ما قال من أنّ حقيقة الحمد هي اظهار الصفة الكمالية سواء كان باللفظ الدالّ عليها أم لا ؛ فانّ اللفظ الدالّ عليها بالحقيقة هو الحمد باعتبار الدلالة عليها ، وخصوص اللفظ لا دخل له في كونه حمدا . فعلى هذا انّما يكون الكلام اللفظي عنده كلاما باعتبار أنّه دالّ على ما هو المراد بالذات بإلقاء اللفظ بحيث لو أمكن القاء هذا المعنى بدون القاء اللفظ يكون كلاما ، والقائه يكون تكلّما ؛ فليس خصوص اللفظ شرطا لا في الكلام ولا في التكلّم . فعلى الأوّل يكون المراد من سماع موسى - عليه السّلام - كلامه بلا صوت وحرف : أنّه - عليه السّلام - سمع الألفاظ المثالية البرزخية الّتي ليست لها صوت وحرف في العين وإن كان لها صوت وحرف في عالم المثال ؛ وعلى الثاني يكون المراد منه : انّه القى على روعه المعاني المقصودة من دون توسّط لفظ أصلا ؛ واطلق على هذا الالقاء التكلّم وعلى المعاني المتلقّاة الكلام لما ذكر مفصّلا . ومراد الغزالي هو الثاني . وأنت خبير بانّه لا مانع شرعا وعقلا من تحقّق أحد المعنيين المذكورين ، لأنّ تحقّق