تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
قلنا قد ذكر القوم لهذا الاختصاص وجوها ، فلنذكرها ونشير إلى ما هو الحقّ . منها : ما ذكره الغزالي ، وهو : إنّه كان يسمع كلامه الأزلي بلا صوت وحرف كما ترى في الآخرة ذاته - تعالى - بلا كيف وكمّ . وهذا على مذهب من يجوّز تعلّق الرؤية والسماع بكلّ موجود حتّى الذات والصفات ، لكن سماع غير الصوت والحروف لا يكون إلّا بطريق خرق العادة . أقول : مراده من كلامه الأزلي إن كان هو الكلام النفسي فقد عرفت عدم معقوليته فضلا عن أزليته ؛ وإن كان هو القدرة / 208
MA
/ على ايجاد ما به التكلّم أو نفس ايجاده فلا معنى لسماعه . قال بعض المشاهير : لا حاجة إلى التقييد بقوله : « الأزلي » ، بل لا معنى له إلّا باعتبار أنّ المسموع له - تعالى - نوع من الثبوت في الأزل على الوجه الاجمالي الّذي / 211
DA
/ ذهب إليه بعض المتكلّمين ، أو باعتبار أنّ للواجب - سبحانه - علما أزليا هو عين ذاته - تعالى - . فيكون معنى قوله : « كلامه الأزلي » : الكلام الأزلي الّذي كان العلم به أزليا ، فيكون « الأزلي » وصفا « للكلام » بحال متعلقه . والحاصل : أنّ المسموع ليس وراء الكلام بمعنى ما به التكلّم ، وهو ليس أزليا ؛ وإن كان المراد منه المعنى المقصود بإلقاء اللفظ - على ما يأتي من أنّه الكلام بالحقيقة عند الغزالي لأنّه بهذا المعنى أيضا لا يعقل أزليته إلّا بأحد من التأويلين المذكورين الجاريين في الكلام اللفظي الّذي يلزمه الحرف والصوت ، بل في جميع الموجودات - . فلا حاجة إلى ذكر الأزلي في هذا الجواب ، لأنّه لا يفيد تخصيص الكلام المذكور بالمعنوي الّذي هو مراد الغزالي ، فلا يكون محتاجا إليه ؛ انتهى بأدنى توضيح . وأنت خبير بأنّ عدم الاحتياج إليه ظاهر على مذهب أهل الحقّ القائلين بانّه لا يعقل أزلية الكلام المعنوي إلّا بأحد التأويلين ؛ وامّا على زعم الأشاعرة القائلين بأنّ الكلام المعنوي صفة أزلية للواجب سوى العلم والقدرة والإرادة وسائر الصفات بلا تأويل فقيد الأزلية مخصوص بالمعنوي وفائدته اخراج اللفظي ، وكأنّه منظور الغزالي ؛ فلا بحث إلّا على أصلهم . ثمّ القول بتحقيق نوع من الثبوت للحوادث في الأزل بيّن الفساد ، مع أنّ الغزالي