تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
« بل كماله تعالى كون ذاته بحيث يصدر عنه هذه اللوازم » - ، لكن صدور الأشياء لا يتصوّر بدون تصوّر تلك الصور ، كما انّ بعض الأشياء واسطة لصدور بعض آخر من الواجب - تعالى - ، كصدور الأعراض فانّها لا تصدر عن اللّه - تعالى - إلّا بعد صدور موضوعاتها عنه . قلت : صدور نظام الكلّ على أتمّ انحاء الوجود وأشرفها لا يمكن الّا بعد فعلية ذاته بجميع صفاته الذاتية الّتي منها صفة العلم بكلّ الأشياء قبل ايجادها ، فتلك الصور الّتي هي صفة علمه - تعالى - لو لم تكن كمالا له - تعالى - وكانت زائدة على ذاته لكانت من جملة النظام ، فلا يمكن صدورها عنه على أتمّ الوجه إلّا بتوسّط صفة العلم الّذي هو بعينه تلك الصور ، فتلك الصور لا يمكن أن تكون أشياء ذهنية زائدة على ذاته تكون وسائط لايجاد الأشياء العينية ، فالواجب الحقّ يعلم ذاته وجميع الأشياء بالعلم الّذي هو نفس ذاته . فظهر انّ الوجه الثاني وارد على العلم الحصولي . وأمّا الوجه الثالث - أعني : لزوم مفسدة الكثرة في ذاته تعالى - : فقد أجاب عنه الشيخ - كما مرّ الإشارة إليه - في الشفا والتعليقات : بأنّ هذه الكثرة إنّما هي بعد الذات على الترتيب السببي والمسببي ، فلا تنثلم به / 138
DA
/ وحدته الحقّة . وذلك كما أنّ صدور الموجودات المتكثّرة عنه لا يقدح في بساطته المحضة ووحدته الصرفة لكونها صادرة عنه - تعالى - على الترتيب العلّي والمعلولي ، فكذلك معقولاته المنفصلة الكثيرة إنّما تترتّب عنه على وجه لا يقدح في وحدته الحقّة . فكما انّ صدور الموجودات عنه دفعة ينافي الوحدة وعلى الترتيب السببى والمسببى لا ينافيها فكذا محليّته للصور المعقولة دفعة ينافي الوحدة وعلى الترتيب السببي والمسببي لا ينافيها ، فتلك الكثرة ترتقى إليه وتجتمع في واحد محض ، فانّها مع كثرتها اجتمعت واشتملت عليها أحدية الذات ، إذ الترتيب يجتمع الكثرة في واحد - كما أشار إليه المعلم الثاني بقوله : « واجب الوجود مبدأ الكلّ فياض الوجود وهو ظاهر على ذاته بذاته ، فله الكلّ من حيث لا كثرة فيه ، فهو ينال الكلّ من ذاته . فعلمه بالكلّ بعد ذاته وبعلمه بذاته ، ويتحد الكلّ بالنسبة إليه ، فهو الكلّ في وحدته » - .
جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 135 | ملا محمد مهدي النراقي