أنكروا عليّ منكرا ، ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا ، وإنّهم ليطلبون حقّا تركوه ، ودما سفكوه ، ولئن كنت شركتهم فيه إنّ لهم لنصيبهم منه ، ولئن كانوا ولّوه دوني فما تبعته إلّا قبلهم ، وإنّ أعظم حجّتهم لعلى أنفسهم ، وإنّي لعلى بصيرتي ما لبّست عليّ ، وإنّها للفئة الباغية فيه الحمّى والحمة « 1 » ، وقد طالت هلبتها ، وأمكنت درّتها ، يرضعون أمّا فطمت ، ويحيون بيعة تركت ، ليعود الضلال إلى نصابه .
ولا أعتذر ممّا فعلت ، ولا أتبرّأ ممّا صنعت ، فيا خيبة للداعي ومن دعا لو قيل له : إلى من دعوت ؟ وإلى من أجبت ؟ ومن إمامك ؟ وما سنّته ؟ إذا لزاح الباطل عن مقامه ، ولصمت لسانه فما نطق .
وأيم اللّه لأفرطنّ لهم حوضا أنا ماتحه « 2 » ، لا يصدرون عنه ، ولا يلقون بعده أبدا ريّا ، وإنّي لراض بحجّة اللّه عليهم وعذره فيهم ، إذ أنا داعيهم فعذر إليهم ، فإن تابوا وأقبلوا فالتوبة مبذولة والحقّ مقبول ، وليس على اللّه كفران ، وإن أبوا أعطيتهم حدّ السيف ، وكفى به شافيا من باطل ، وناصرا لمؤمن « 3 » .
ولمّا قرب إلى البصرة ، كتب إلى طلحة والزبير يقول : أمّا بعد ، فقد علمتما إنّي لم أرد الناس حتّى أرادوني ، ولم أبايعهم حتّى أكرهوني ، وأنتما ممّن أرادوا بيعتي وبايعوا ، ولم تبايعا لسلطان غالب ، ولا لغرض حاضر ، فإن كنتما بايعتما طائعين فتوبا إلى اللّه تعالى ممّا أنتم عليه . وإن كنتما بايعتما مكرهين ، فقد جعلتما السبيل عليكما بإظهاركما الطاعة وكتمانكما المعصية .
وأنت يا زبير فارس قريش ، وأنت يا طلحة شيخ المهاجرين ، ودفعكما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه ، كان أوسع لكما من خروجكما بعد إقراركما به .
هامش
( 1 ) الحمة سمّ العقرب ، والمراد الشدّة والضيق .
( 2 ) الماتح : المستقي .
( 3 ) الإرشاد 1 : 251 .