وكان من الداخلين في البيعة أوّلا ، والملتزمين بها ثمّ من المحرّضين ثانيا على نكثها ونقضها طلحة والزبير ، فأخرجا عائشة وجمعا ممّن استجاب لهما ، وخرجوا إلى البصرة ، ونصبوا لعلي حبائل الغوائل ، وألبوا عليه مطيعهم من الرامح والنابل ، مظهرين المطالبة بدم عثمان ، مع علمهما في الباطن أنّ عليّا عليه السّلام ليس بالقاتل .
فلمّا وصل إليه عليه السّلام سيرهم من مكّة إلى البصرة ، حمد اللّه وأثنى عليه ، ثمّ قال : قد سارت عائشة وطلحة والزبير ، وكلّ واحد منهما يدّعي الخلافة دون صاحبه ، ولا يدّعي طلحة الخلافة إلّا انّه ابن عمّ عائشة ، ولا يدّعيها الزبير إلّا انّه صهر أبيها ، واللّه لئن ظفرا بما يريدان ليضربنّ الزبير عنق طلحة ، وليضربنّ طلحة عنق الزبير ، ينازع هذا على الملك هذا ، وقد علمت واللّه أنّ الراكبة الجمل لا تحلّ عقدة ، ولا تسير عقبة ، ولا تنزل منزلا ، إلّا إلى معصية اللّه ، حتّى تورد نفسها ومن معها موردا ، يقتل ثلثهم ، ويهرب ثلثهم ، ويرجع ثلثهم ، وو اللّه أنّ طلحة والزبير ليعلمان أنّهما مخطئان وما يجهلان ، ولربّما عالم قتله جهله وعلمه معه لا ينفعه .
واللّه لينبحنّها كلاب الحوأب ، فهل يعتبر معتبر ؟ ويتفكّر متفكّر ؟ قد قامت الفئة الباغية ، فأين المحسنون « 1 » .
وقال عليه السّلام في مقام آخر بعد حمد اللّه والثناء عليه : أمّا بعد ، فإنّ اللّه تعالى لمّا قبض نبيّه صلّى اللّه عليه وآله قلنا : نحن أهل بيته وعصبته وورثته وأولياؤه ، وأحقّ الخلق به ، لا ننازع حقّه وسلطانه ، فبينا نحن كذلك إذ نفر « 2 » المنافقون ، فانتزعوا سلطان نبيّنا منّا ، وولّوه غيرنا ، فبكت واللّه لذلك العيون والقلوب منّا جميعا معا ، وخشنت له الصدور ، وجزعت النفوس جزعا أرغم ، وأيم اللّه لولا مخافتي الفرقة بين المسلمين ، وأن يعود أكثرهم إلى الكفر ويغور الدين ، لكنّا قد غيّرنا ذلك ما
هامش
( 1 ) الإرشاد 1 : 246 .
( 2 ) في « ن » : يقول .