هودجها ، فبرك وتباركت الناس عنده ، وجدلت الأبطال ، وتطايرت الكفوف دفعا عنها ، وعظم على الناس وعلى علي أمرها ؛ لكونها واجب أن لا تسأل حاجة إلّا من وراء حجاب ، وهي حينئذ يطوف بها أعداؤهما كالمسبية .
فلمّا رأى علي ذلك ، وفات الأمر من يده ، كشف الناس عن الجمل ، وضرب عليه القبّة ، واستدعى بأخيها محمّد بن أبي بكر ، فقال : أنت محرمها وما لأحد غيرك ، لزمها خد بقرب منها ، فمضى وحطّ يده على كتفها ، فقالت : يد من هذه ؟
حرّقها اللّه بالنار ، قال : يا أختاه نار الدنيا ، وكان عاقبة ما ذكرنا أنّه شقّ بطن حمار فأدخل فيه وحرّق والحمار في مصر .
ثمّ جاء غريم الزبير إلى علي ، فقال : قتلت الزبير ، فقال علي : سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله يقول : بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار . فقال : إن قاتلناك قلت أنتم في النار ، وإن قاتلنا لك قلت أنتم في النار .
ثمّ اتّكأ على سنان رمحه فقتل نفسه ، ثمّ بعد ذلك قعد علي وعائشة يبكيان ندما على ما وقع منهما ، والتمّ الباقي من العسكرين ورجعوا إلى المدينة .
قلت : اجتمع الناس بعد قتل عثمان من المهاجرين والأنصار وغيرهم على علي أمير المؤمنين عليه السّلام ، وبايعوه طائعين مختارين ، فأراد طلحة والزبير إثارة الفتنة ، قاصدين للحكم والإمارة ، وعزما على نكث بيعته ، ورفض طاعته ، وتوجّها إلى مكّة للاجتماع مع عائشة في التأليب والتأليف على مخالفته .
فلمّا علم علي عليه السّلام بذلك حمد اللّه وأثنى عليه ، ثمّ قال : أمّا بعد ، فإنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه وآله للناس كافّة ، وجعله رحمة للعالمين ، فصدع بما أمر به ، وبلّغ رسالات ربّه ، فلمّ به الصدع ، ورتق به الفتق ، وأمّن به السبل ، وحقن به الدماء ، وألّف به بين ذوي الإحن والعداوة والوغر في الصدور ، والضغائن الراسخة في القلوب .
ثمّ قبضه اللّه تعالى إليه حميدا ، لم يقصّر عن الغاية التي إليها أداء الرسالة ، ولا
التوضيح الأنور بالحجج الواردة لدفع شبه الأعور — صفحة 77
مساهمون: الشيخ خضر الرازي الحبلرودي
ص٧٧