فمن منع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أن يكتب للأمّة ما لا يضلّون بعده ؟ وخالف قوله وأدخل هذه المصيبة على المسلمين ، وهو أولى بذنوب كلّ من ضلّ بعده .
فسبحان اللّه كيف لا يتدبّر السنّة هذه الأخبار التي سمّوها الصحاح ، أم على قلوب أقفالها ، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون .
ولا تعجب إلّا ممّن يتوقّف في إطلاق الغلط على أبي بكر وعمر ، ويروون بعد ذلك هذه الأخبار التي دلّت على أنّ عمر ومن كان حاضرا معه عند النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في ذلك اليوم قد خالفوه وهو حيّ بين أظهرهم لم يمت ، ومن خالفه وهو حيّ فأحرى أن يخالفه وهو ميّت .
ولولا هذه المصيبة التي أدخلها عمر على المسلمين بمنع الرسول صلّى اللّه عليه وآله من كتابة ما لا يضلّ الناس بالتمسّك به لما رؤي ابن عبّاس بكى حتّى بلّ دمعه الحصى ، ويقول : الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وبين كتابه .
قال الأعور : فأمّا أنّ الرجل ليهجر ، يعني : كلامه حينئذ - أي في مرضه - خارج عن حدّ الصحّة ، يعني من جهة الكثرة والقلّة ، ويجوز ذلك لاحتمال السهو عليه ، من إشغال المرض القلب الذي هو وعاء للإيعاء ، ومثل ذلك واقع للبشر في حال المرض الأنبياء وغيرهم ، وقد وقع منه صلّى اللّه عليه وآله السهو في حال الصحّة ، كحديث ذي اليدين في تسليمه في صلاة العصر على ركعتين ، فالسهو في المرض أقرب احتمالا .
قلت : في كلامه خلل ، وهو مختلّ من وجوه :
الأوّل : أنّ ما ذكره من التوجيه غير ثابت لغة ولا عرفا ، فهو غير وجيه ، فإنّه لا يطلق الهجر فيهما على القلّة والكثرة المفيدة وإن اعترف بعدم الإفادة ، فهو تغيير العبارة لا ينفع أهل الضلالة .
الثاني : أنّ قوله « لاحتمال السهو على الأنبياء » خطأ مناف لطريقة أهل
التوضيح الأنور بالحجج الواردة لدفع شبه الأعور — صفحة 381
مساهمون: الشيخ خضر الرازي الحبلرودي
ص٣٨١