وأثبت للعبد قدرته ، وسمّاها كسبا ، لكن لمّا قال : إنّ أفعال العباد كلّها واقعة بقدرة اللّه تعالى مخلوقة له ، ولا تأثير لقدرة العبد أصلا ، رجع مذهبه إلى الجبر ، ولم يبق لزيادة لفظ القدرة والكسب معنى في الحقيقة ، ولم يتخلّص ممّا ورد على مذهب المجبّرة من الشنيعة .
ومذهب الفلاسفة : أنّ العباد هم موجدوا أفعالهم على سبيل الايجاب لنا ، على أنّا فاعلون بالاختيار ، واستدلّوا بوجوه عقليّة ونقليّة .
أمّا الأوّل ، فمنها : أنّه لو كان جميع الأفعال واقعة من اللّه تعالى ابتداء ، ولا قدرة لنا ولا فعل ، لم يكن فرق بين أفعالنا أصلا ، لكن اللازم باطل ؛ للفرق الضروري بين سقوط الإنسان من سطح ونزوله منه على الدرج ، وبين حركة النبض وحركة اليد بالقبض والبسط مثلا ، والملازمة ظاهرة ، ولذا قال أبو الهذيل العلّاف ونعم ما قال :
حمار بشر أعقل من بشر ، فإنّ حمار بشر لو أتيت به إلى جدول صغير وضربته طفره ، وإن أتيت به إلى جدول كبير وضربته لم يطفره ويروغ عنه ؛ لأنّه يفرّق بين ما هو مقدور له وما ليس بمقدور ، وبشر لا يفرّق .
ومنها : أنّه لو لم يكن لنا اختيار أصلا لامتنع تكليفنا بشيء من الأفعال ؛ لأنّه لا يمكننا حينئذ الامتثال ، واللازم باطل وفاقا ، فكذا الملزوم ، نعوذ باللّه من مذهب يقتضي انتفاء التكاليف والقواعد الشرعيّة ، وبطلان الشرائع والآثار النبويّة ، وأن لا يكون ثواب ولا عقاب لعدم الطاعة والعصيان ، ولا نار ولا جنان .
ومنها : أنّ أفعالنا تابعة لقصودنا ودواعينا ، وكلّ من كان فعله كذلك كان فاعلا بالاختيار . أمّا الصغرى ، فمعلومة بالوجدان . وأمّا الكبرى : فاتّفاقيّة .
ومنها : أنّه لو كان لا اختيار لنا ، وكان جميع الأفعال يخلقه تعالى فينا ، لزم امتناع تعذيب أحد منّا على فعل ما من الأفعال ، كالصور والأشكال ، واللازم باطل وفاقا ، فكذا الملزوم .
التوضيح الأنور بالحجج الواردة لدفع شبه الأعور — صفحة 297
مساهمون: الشيخ خضر الرازي الحبلرودي
ص٢٩٧