أمّا بعد : فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله رضيني لنفسه أخا ، واختصّني له وزيرا ، أيّها الناس أنا أنف الهدى وعيناه ، فلا تستوحشوا من طريق الهدى لقلّة من يغشاه ، الحديث « 1 » .
وقد تقدّم الإخاء في تفسير آية
« وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ »
وانّه كان بأمر اللّه تعالى ، لما ذكره الثعلبي في تفسيره ، من أنّه عليه السّلام لمّا بات في فراش النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أوحى اللّه إلى جبرئيل وميكائيل : أنّي قد آخيت بينكما ، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر ، فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة ؟ فاختارا كلاهما الحياة ، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليهما : ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب ، آخيت بينه وبين محمّد ، فبات على فراشه يفديه بنفسه الحديث « 2 » .
وبالجملة حديث المؤاخات أشهر في المشرق والمغرب ، وتواتر عند العلماء والفضلاء كعقلاء يثرب ، واتّفق على نقله أهل التفسير والحديث ، وشاع ذكره بين كلّ قديم وحديث ، فلا يلتفت إلى إنكار الكلب الشادّ الخبيث ، المؤثر للباطل والزور بالطلب الحثيث ، فإنّ ذلك بمنزلة إنكار وجود مكّة ومنى ، ودعوى نبوّة سيّد الورى .
والجواب الذي ذكره بظاهريه ، فهو مخبوط وأضعف من ضوء عينيه .
أمّا الأوّل ، فلأنّا لا نسلّم حصر غرض الإخاء فيما ذكره على تقدير صحّة كلامه وقوله ، فالحديث الوارد في ذلك موضوع غير معقول ولا مشروع .
وأمّا الثاني ، فلا يشبه كلام العقلاء ، بل هو من المجانين والسفهاء ؛ لأنّه لا يجب مساواة المشبّه والمشبّه به من كلّ وجه ، وإلّا لكان قولنا « زيد كالأسد » فاسد ، إذ لا ذنب له ولا يمشي على أربع مثلا ، هذا مع أنّ الذي جعله وجها ثانيا منهم ، ما أظنّ أحدا منهم ذكره على ذلك النسق ، بل الظاهر أنّه قد اختلف فيه .
هامش
( 1 ) الإرشاد للشيخ المفيد 1 : 276 .
( 2 ) إحقاق الحقّ 3 : 34 عن تفسير الثعلبي .