لا يقال : الجسم يوصف بأنّه واحد ، فهو مع قبوله للقسمة محلّ للوحدة ، فلم لا يجوز أن يكون النفس مع كونها مرتسمة بالمعقولات الوحدانيّة قابلة للقسمة ؟
لأنّا نقول : الجسم لا يرتسم فيه الوحدة . إنّما يصفه العقل بالوحدة كما يصفه بالوجود أو الجنسيّة ، وذلك لأنّ الوحدة أمر معقول ليس ممّا يحلّ في محلّ حلول الأعراض الموجودة خارج العقل ، وللعقل أن يصف كلّ ما يدركه إمّا بها أو بما يقابلها وهو الكثرة والعدد .
ثمّ نقول : لا يجوز أن يكون البدن ولا غيره من الأجسام ولا القوى الحالة في الأجسام علّة لوجود النفس . وذلك أنّ كلّ ذي وضع لا يجوز أن يؤثر إلّا فيما يكون منه على وضع ، كالمقارن أو المجاور أو المحاذى ، وإمّا يكون بينه وبين ذلك علاقة ما . ولا علاقة بين البدن والنفس قبل وجود النفس ، ولا بين ذي وضع آخر وبين ما لا وضع له ، كالنّفس وما يجرى مجريها ، فإنّ ذلك ممّا هو واضح في بديهة العقل . فاذن علّة وجود النّفس موجود مفارق غير ذي وضع دائم الوجود .
وإنّما يكون وجود المزاج البدني شرطا في فيضان النفس عن مبدعها ، لتدبير البدن على مذهب أرسطو ، أو لتعلّقها به إن كانت قبل البدن موجودة ، وذلك على مذهب أفلاطون .
وأيضا لا يجوز أن يكون البدن ولا مزاجه شرطا في بقاء النفس ، لأنّ النفس هي الحافظة والمبقية للبدن ومزاجه بتدبيرها وإيراد الغذاء عليه بدلا عمّا يتحلّل منه ، فإن كان البدن أو المزاج شرطا في بقاء النفس لزم الدور .
ولما فاضت النفس عن مبدعها على البدن أو تعلّقت به ، على أىّ المذهبين كان ، لم يبق للبدن ولا لشيء مما يتعلّق به تأثير عليّة ولا تأثير شرطيّة في وجود النفس ولا في بقائها ودوامها ، فلا يضرّ النفس فقدان البدن أو قطع العلاقة بينه وبينها بوجه ، وتبقى النفس موجودة دائمة الوجود بدوام مبدعها ومفيضها ، لوجوب وجود المعلول مع وجود علّته واستحالة انفكاكه عنه ، وهو المطلوب .
تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل — صفحة 488
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٤٨٨