ترتسم في متخيلات الحيوانات التي هي ذوات أوضاع .
لأنّا نقول : هي من حيث ارتسامها في ذوات الأوضاع ذوات أوضاع ، لأنّ الإشارة إلى محالّها إشارة إليها . وإنّما الخيال إذا أدركها انتزعها من أوضاعها التي كانت قبل الانتزاع معها ، وحدث لها وضع آخر هو وضع الجزء من الدماغ ، الّذي هو محلّ الخيال من حيث كونه في ذلك الجزء . فلفقدان أوضاعها المنتزعة منها يظنّ أن لا وضع لها ، ولا منافاة بين كون الشيء ذا وضع وبين إدراك ذي وضع له ، لا من حيث هو ذو وضع ، بل من حيث هو منتزع من وضعه الأوّل . فاذن ثبت أنّ الصور الخياليّة ذوات أوضاع من حيث ارتسامها في الخيال ، وإن كان الخيال لا يدركها مع الأوضاع السابقة المفارقة لها .
وإذا تقرّر ذلك نقول : إنّ النفس الانسانيّة العاقلة يرتسم فيها معقولات لا وضع لها ، فهي لا تكون ذات وضع ، فلا يكون جسما ولا مادّة ، ولا يكون حالّة في ذي وضع ، فلا يكون صورة جسمانيّة ولا عرضا من شأنه أن يحلّ في جسم ولا قوّة بدنيّة ، بل إنّما تكون جوهرا قائما بذاته مفارقا للجسم والمادّة متعلّقا بالبدن تعلّق تدبير لها وتصرّف فيها ، يستعمله استعمال صانع لآلاته ، ويفيد للبدن صورة بها يجعله شخصا من الأشخاص الانسانيّة . وكيف لا وجميع القوى الجسمانيّة ، كالحواسّ الظاهرة والباطنة وغيرها ، تضعف بعد سنّ الوقوف ، وهي تقوى ، إذ يصير تعقّلها أدقّ وأتمّ وأكمل . وتلك لا تدرك أنفسها ، وهي تدرك نفسها ، وتلك لا تدرك ما يتعلّق بها من الأوضاع ، وهي تدرك البدن الّذي يتعلّق بها ، وأيضا النفس ترتسم بالمعقولات الوحدانيّة التي لا تقبل الانقسام بوجه ، كالوحدة ، فكلّ ما يرتسم بمثل ذلك فهو غير قابل للقسمة الوضعيّة ، وإلّا لا نقسم المعقول الّذي ارتسم فيه بانقسامه ، فإنّ كلّ مرتسم في منقسم على سبيل الحلول السرياني فهو منقسم بانقسامه ، وكلّ جسم فهو قابل للقسمة الوضعيّة ، فالنّفس ليست بجسم ولا بقوّة حالّة في الجسم بالحلول السرياني .
تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل — صفحة 487
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٤٨٧