وبوجه آخر نقول : كلّ امر يكون في شيء من الأشياء بالقوّة ثمّ خرج إلى الفعل وجب أن يكون ذلك الشيء الّذي كان فيه ذلك الأمر بالقوة باقيا عند خروج ذلك الأمر من القوّة إلى الفعل ، حتّى يصحّ الخروج من القوّة إلى الفعل .
وإن انعدم ذلك الشيء عند خروج ذلك الأمر من القوّة إلى الفعل ، وإلّا لما كان ذلك الأمر الّذي كان فيه بالقوّة خارجا منه إلى الفعل .
واعتبر نطفة الانسان ، فإنّ الانسانيّة في مادّتها بالقوّة ، ولا بدّ من وجود تلك المادّة عند صيرورتها إنسانا بالفعل ، وإلّا لما كان ذلك الانسان من تلك النطفة ، وصورة النطفة لمّا كانت عند خروج الصورة الانسانيّة إلى الفعل غير باقية لم تكن الصورة الانسانيّة في تلك الصورة بالقوّة ، بل امتنع جمعها في تلك المادّة ، ولذلك لمّا خرجت هذه إلى الفعل في مادّتها فنيت تلك فيها .
وإذا تقرّرت هذه المقدّمة فنقول : فلو جاز الفناء على النفس لكان الفناء فيها حال وجودها بالقوّة ، وإذا خرج إلى الفعل وجب أن تكون النفس مع فنائها موجودة ، وهذا خلف ، فاذن الفناء لا يجوز عليها .
فان قيل : فعلى هذا التقدير لا يكون الفناء جائزا على موجود أصلا .
قلنا : الفناء جائز على كلّ موجود ممكن يكون حالّا في محل ، ويكون في محلّه قوّة انعدام ذلك الموجود عنه . فإذا خرج انعدامه إلى الفعل كان المحلّ باقيا مع ذلك الانعدام ، كصورة النطفة التي تنعدم عن مادتها وتكون تلك المادّة مع انعدامها موجودة . وبهذا الدليل لا ينعدم شيء من الموجودات سوى ما يحلّ في محلّ ، كالصور والأعراض ، أو ما يتركّب منهما ومن غيرهما ، كالجسم الّذي ينعدم بانعدام أحد جزئيه ، وهو الصورة .
فان قيل : لو كانت النفس مركّبة من حالّ ومحلّ ، كالجسم ، لجاز عليها العدم .
قلنا : لا يجوز العدم على الجزء الّذي هو المحلّ ، ونحن نعنى بالنفس ذلك الجزء دون ما يحلّ فيه ، فإنّ النفس كما تقرّر يرتسم فيها كثير من الصور يحدث
تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل — صفحة 489
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٤٨٩