والعقول ، والنفوس ، وما يعرض لها أو يحلّ فيها ، فهي ممّا لا وضع له .
وكلّ مدرك لشيء من الموجودات فقد يرتسم فيه مثال لذلك الموجود . فان أدرك بنفسه ارتسم ذلك في نفسه ، وإن أدرك بآلة ارتسم في تلك الآلة . مثال الادراك بالآلة ، الابصار ، والاحساس باللمس ، وسائر الادراكات الحسيّة ، ومثال الادراك بغير الآلة إدراك الانسان نفسه وذاته ، لست أعنى بدنه الّذي يدركه بحواسّه .
وإذا أحسّ محسّ بشيء ارتسم في خياله شبح لذلك الشيء ، أو رسّم ما منه ، يلاحظه في النوم واليقظة ، مع غيبة ذلك المحسوس ، مهما أراد ؛ وإنّما يدرك ذلك الشبح أو الرسم من غير ملاحظة لوضعه إن كان من ذوات الأوضاع ، بخلاف الحسىّ ، فإنّ الحس يدركه مع وضعه ، ويتوّهم مع ذلك منه معان غير محسوسة ، كالملاءمة والمنافرة ، والاستيناس والاستيحاش ، والصداقة والعداوة ، وغير ذلك ، وهي أمور جزئيّة تتعلّق بالجزئيات ، محسوسة كانت أو غير محسوسة . وهذا التخيّل والتّوهّم أيضا إنّما يكون للنفس بآلات دماغيّة ، ويسمّى بالمحسوسات الباطنة .
وإذا تقرّر ذلك فنقول : ارتسام الشيء في غيره أو الحلول فيه قد يكون على سبيل السريان ، كارتسام الصورة في سطح المرآة ، والسواد في الجسم ، وقد لا يكون كذلك ، كحلول النقطة في الخطّ ، والخطّ في السطح ، والسطح في الجسم . فإنّ النقطة لا تسرى في طول الخطّ ، ولا الخطّ في عرض السطح ، ولا السطح في عمق الجسم . وإذا ارتسم شيء في شيء ، أو حلّ شيء في شيء على سبيل السريان ، بحيث لا يكون بين الحالّ والمحلّ امتياز في الحس كانت الإشارة الحسيّة إلى كلّ واحد منهما هي الإشارة إلى الآخر . إذ لا تميّز بينهما حسّا ، فكلّ ما ارتسم أو حلّ في ذي وضع ، أو ارتسم أو حلّ فيه ذو وضع ، فهو ذو وضع . وأيضا كلّ غير ذي وضع ارتسم أو حلّ في شيء أو حلّ فيه شيء فذلك الشيء أيضا غير ذي وضع .
لا يقال : الصور الخياليّة وما يجرى مجراها ليست بذوات أوضاع ، وهي
تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل — صفحة 486
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٤٨٦