لقولهم : كلّ ظاهر فله باطن ، يكون ذلك الباطن مصدرا ، وذلك الظاهر مظهرا له ، ولا يكون ظاهر لا باطن له ، الّا ما هو مثل السراب ، ولا باطن لا ظاهر له إلّا خيال لا أصل له ؛ ولقّبوا بالملاحدة ، لعدولهم من ظواهر الشريعة إلى بواطنها في بعض الأحوال .
ومذهبهم أنّ اللّه تعالى أبدع بتوسّط معنى يعبّر عنه بكلمة « كن » أو غيرها عالمين : عالم الباطن ، وهو عالم الأمر وعالم الغيب ، ويشتمل على العقول والنفوس والأرواح والحقائق كلّها ، وأقرب ما فيها إلى اللّه تعالى هو العقل الأوّل ، ثم ما بعده على الترتيب ؛ وعالم الظاهر ، وهو عالم الخلق وعالم الشهادة ، ويشتمل على الأجرام العلويّة والسفلية والأجسام الفلكيّة والعنصريّة وأعظمها العرش ثمّ الكرسي ، ثمّ سائر الأجسام على الترتيب . والعالمان ينزلان من الكمال إلى النقصان ، ويعودان من النقصان إلى الكمال ، حتّى ينتهى إلى الأمر ، وهو المعنى المعبّر عنه ب « كن » وينتظم بذلك سلسلة الوجود الّذي مبدؤه من اللّه ومعاده إليه .
ثم يقولون : الامام هو مظهر الأمر ، وحجّته مظهر العقل الّذي يقال له العقل الأوّل والعقل الكلّى ؛ والنبىّ مظهر النفس التي يقال لها نفس الكلّ وهو الامام ، وهو الحاكم في عالم الباطن ، ولا يصير غيره عالما باللّه إلّا بتعليمه إيّاه ، ولذلك يسمّونهم بالتعليميّين . والنبىّ هو الحاكم في عالم الظاهر ، ولا يتمّ الشريعة التي يحتاج إليها إلّا به ، ولشريعته تنزيل وتأويل ظاهره التنزيل وباطنه التأويل .
والزمان لا يخلو إمّا عن نبىّ وإمّا عن شريعته . وأيضا لا يخلو عن إمام ودعوته ، وهي ربّما تكون خفيّة مع ظهوره ، إلّا أنّها تكون ظاهرة مع خفائه البتة ، لئلا يكون للناس على اللّه حجّة بعد الرسل .
وكما يعرف النبىّ بالمعجز القولىّ أو الفعلىّ كذلك يعرف الامام بدعوته إلى اللّه وبدعواه ، إنّ المعرفة باللّه تعالى لا تحصل إلّا به ، والأئمة من ذريّته ، بعضها من بعض ، فلا يكون إماما إلا وهو ابن امام . ويجوز أن يكون للامام أبناء ليسوا
تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل — صفحة 459
مساهمون: خواجه نصير الدين الطوسي
ص٤٥٩