والمعجز هو الّذي به يمتاز مقرّر العدل عن غيره ، ولو لم يكن ذلك من عند اللّه لم يكن مقبولا عند الجمهور ؛ ولو لم يعرفوا اللّه تعالى لما عرفوا كون ذلك من عنده .
فاذن لا يمكن استقامة أمور نوع الانسان إلّا بنبىّ ذي معجز ، يخبرهم عن ربهم بما لا يمتنع في عقولهم ، ويظهر العدل ، ويدعوهم إلى الخير ، ويعدهم بما يرغبون فيه إن استقاموا ، ويوعدهم بما يكرهونه إن لم يستقيموا ؛ ويمهّد لهم قوانين في عبادة بارئهم القادر على كلّ ما يشاء المطّلع على الضمائر ، الغنىّ عن غيره ، لكيلا ينسوه ويقلبوا شريعته ظاهرا وباطنا ؛ وقواعد يقتضي العدل في الأمور المتعلّقة بالأشخاص وبالنوع والسياسة لمن لا يقبل تلك القوانين أو يعمل بخلافها ، ليستمرّ الناس على ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم ، فإنّ من الممتنع ممّن يجعل في بنية كلّ حيوان ما ذكر في علمي التشريح ومنافع الأعضاء أن يهمل ما يقتضي مصلحتهم في معاشهم ومعادهم . فهذا ما ذكره الحكماء في هذا الباب .
فصل النسخ وهو تغيير الأحكام الشرعية من اللّه تعالى جائز
النسخ جائز ، وهو تغيير الأحكام الشرعيّة في الأوقات المختلفة من اللّه تعالى .
واليهود لا يجوّزونه ويقولون : النسخ بداء ، وهو لا يجوز على اللّه تعالى . وذلك ليس بصحيح ، فإنّ البداء لا يتحقّق إلّا بكون المحكوم عليه والوقت غير مختلفين .
وتمسّكوا بقول موسى عليه السّلام : « تمسّكوا بالسبت أبدا » . وهو ليس بدليل قطعىّ ، فإنّ التأبيد قد يستعمل في المدّة الطويلة . والدليل على جواز النسخ ثبوت حقيّة الشرائع التي جاءت بعد موسى عليه السلام .
القسم الثاني من الباب الرابع في الإمامة وما يتبعها
الإمامة رئاسة عامّة دينيّة مشتملة على ترغيب عموم الناس في حفظ مصالحهم الدينيّة والدنياويّة ، وزجرهم عمّا يضرّهم بحسبها .