لغرض البتة ، فإنّ الفاعل لغرض مستكمل بالغرض ، ولا يجوز عليه تعالى الاستكمال .
والمعتزلة قالوا : إنّه تعالى يفعل لغرض يستكمل به غيره ، وإلّا لكان فعله عبثا ، والعبث منه تعالى قبيح .
والحكماء قالوا : إنّ علمه بما فيه المصلحة سبب لصدور ذلك عنه ، وهو بوجه قدرته ، وبوجه علمه ، وبوجه ارادته ، من غير تعدّد فيه ، إلّا باعتبار القياس العقلىّ .
ويسمّون تلك الإرادة بالعناية .
فصل صدور الممكنات عن الباري تعالى شأنه
قالت الحكماء : الواحد لا يصدر عنه من حيث هو واحد إلّا شيء واحد .
وذلك لأنّه إن صدر عنه شيئان ، فمن حيث صدر عنه أحدهما لم يصدر عنه الآخر وبالعكس ، فاذن صدرا عنه من حيثيّتين . والمبدأ الأوّل تعالى واحد من كلّ الوجوه ، فأوّل ما يصدر عنه لا يكون إلّا واحدا . ثمّ إنّ الواحد يلزمه أشياء ، إذ له اعتبار من حيث ذاته ، واعتبار بقياسه إلى مبدئه ، واعتبار للمبدإ بالقياس إليه . وإذا تركّبت الاعتبارات حصلت اعتبارات كثيرة ؛ وحينئذ يمكن أن يصدر عن المبدأ الأوّل بكلّ اعتبار شيء . وعلى هذا الوجه تكثر الموجودات الصادرة عنه تعالى .
وأمّا المتكلّمون فبعضهم يقولون : إنّ هذا إنّما يصحّ أن يقال في العلل والمعلولات ؛ أمّا في القادر ، أعنى الفاعل المختار ، فيجوز أن يفعل شيئا من غير تكثير بالاعتبارات ، ومن غير ترجيح بعضها على بعض .
وبعضهم ينكرون وجود العلل والمعلولات أصلا ، فيقولون بأنّه لا مؤثّر إلّا اللّه . واللّه تعالى إذا فعل شيئا ، كالاحراق ، مقارنا بالشيء كالنار ، على سبيل العادة ، ظنّ الخلق أنّ النار علّة ، والاحراق أثره ومعلوله . وذلك الظنّ باطل ، على ما مرّ بيانه .