الباب الرابع في النبوة وما يتبعها من الإمامة وغيرها ويشتمل على قسمين
القسم الأول في النبوة وما يتعلق بها
النبيّ إنسان مبعوث من اللّه تعالى إلى عباده ، ليكملهم بأن يعرّفهم ما يحتاجون إليه في طاعته وفي الاحتراز عن معصيته . وتعرف نبوّته بثلاثة أشياء : أوّلها أن لا يقرّر ما يخالف ظاهر العقل ، كالقول بأنّ الباري تعالى أكثر من واحد . والثاني أن يكون دعوته للخلق إلى طاعة اللّه والاحتراز عن معاصيه . والثالث أن يظهر منه عقيب دعوة النبوّة معجزة مقرونة بالتحدّى مطابقة لدعواه .
والمعجز هو فعل خارق للعادة يعجز عن أمثاله البشر . والتحدّى هو أن يقول لامّته : إن لم تقبلوا قولي فافعلوا مثل هذا الفعل . والفعل الّذي يظهر على أحد من غير تحدّ يسمّى بالكرامة ، ويختصّ بالأولياء عند من يعترف به .
واختلفوا في عصمة الأنبياء . والعصمة هي كون المكلّف بحيث لا يمكن أن يصدر عنه المعاصي من غير إجبار له على ذلك . وقال بعضهم : هو من لا يصدر عنه معصية لا كبيرة ولا صغيرة ، لا بالعمد ولا بالسهو من أوّل عمره إلى آخره . وقال بعضهم : السهو لا ينافي العصمة . وقال بعضهم : الصغيرة لا تخلّ بالعصمة . وقال بعضهم : الشرط في عصمة الأنبياء اختصاصها بزمان دعوتهم ، لا قبل ذلك . وقال بعضهم : اختصاصها في أدائها الرسالة فقط . أعنى أنّه يؤدّى ذلك ويصدق فيه ولا يكذب لا بالعمد ولا بالسهو . وأمّا في سائر الأحوال فيجوز عليه جميع ذلك .
والبراهمة من الهند أنكروا النبوّة ، وقالوا : كلّ ما يعرف بالعقل فلا يحتاج فيه إلى نبىّ ، وكلّ ما لا يكون للعقل إليه سبيل فهو غير مقبول عند العقلاء . فاذن ، دعوى النبوّة غير مقبول أصلا .