قال :
فصل في الإشارة إلى عمدة مذهب الإمامية
مدار مقالتهم في الاستدلال على قاعدة ، وفي الجواب عن كلمات خصومهم على قاعدة أخرى . أمّا الأولى أنّ الإمامة لطف ، لانّا نعلم بالضرورة بعد استقراء العرف أنّ الخلق إذا كان لهم رئيس قاهر يمنعهم عن القبائح كان امتناعهم عنها أكثر من [ العكس ] القلب ، واللطف يجرى مجرى التمكين وإزالة المفسدة . ولمّا كانا واجبين على المكلّف الحكيم كانت الإمامة أيضا واجبة .
وبنوا على هذا عصمة الأنبياء ، قالوا : إمكان صدور القبيح عن الخلق محوج لهم إلى الامام ، فلو تحقّق هذا في حقّ الامام لافتقر هو إلى إمام آخر ولزم التسلسل .
وبنوا كون الاجماع حجّة على هذا ، لأنّه لمّا ثبت امتناع خلوّ الزمان عن المعصوم ، والمعصوم لا يقول إلّا بالحق ، وكان الاجماع كاشفا عن قول المعصوم الّذي هو حقّ فكان الاجماع حجّة ، فظهر بهذا أنّ العلم بكون الاجماع دليلا لا يتوقّف على العلم بصدق الرسول .
وبنوا إمامة عليّ بن أبي طالب على وجوب عصمة الامام ووجوب حقّية الاجماع . وبيانه : أنّ العقل لما دلّ على أنّ الامام واجب العصمة ، وكلّ من قال بذلك قال : إنّه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، وذلك معلوم بالضرورة بعد الاستقراء من دين محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؛ فلو قلنا : بأنّ الامام غير عليّ ، كان ذلك خرقا للاجماع .
وبهذا أثبتوا إمامة سائر أئمّتهم ، فأثبتوا وجود محمّد بن الحسن [ العسكرىّ ] وغيبته وإمامته . قالوا : إنّ وجود هذا الشخص وبقاءه في هذه المدّة الطويلة ممكن ، واللّه تعالى قادر على الممكن ؛ وثبت امتناع خلوّ الزمان عن الامام المعصوم . وكلّ من قال بذلك قال : إنّه هذا ، فلو كان غيره لقدح ذلك في الاجماع .
لا يقال : أليس قد تقدّم بيان الاختلاف العظيم بين الشيعة في بعض الأئمة ؟
فكيف ادّعيتم إجماع الكلّ على هذا الترتيب ؟ ولأنّ الاسماعيليّة فرقة عظيمة في زماننا ، وهم ينازعون في هذا الترتيب .