وزال به الأوّل استحال أن يزول هذا الاستحقاق الثاني ، لأنّه ليس له مزيل ، فيصير هذا هو القسم الأوّل الّذي كان مذهبا لأبى على ، وقد أبطلناه . فبقى أن يقال :
كلّ واحد من الاستحقاقين يزول بالآخر دفعة واحدة . لكن هذا محال ، لأنّ علّة عدم كلّ واحد منهما وجود الاخر ، فلو عدما دفعة لوجدا دفعة . لكن العلّة موجودة في حال حدوث المعلول ، فهما موجودان حال كونهما معدومين ، هذا خلف .
فهذه وجود دالّة على فساد قولهم بالمحابطة ، ومتى ثبت ذلك ثبت انقطاع العقاب .
أقول : لأبى على أن يقول : الحكم في الثواب والعقاب للأخير ، فانّ الكافر العاصي إن أسلم ومات فالاسلام يجبّ ما قبله ، وإن كان مؤمنا وأطاع ثم ارتدّ ومات انحبطت خيراته وصارت لغوا بالاتّفاق . وأمّا في الموازنة فلأبى هاشم أن يقول :
الطاعات والمعاصي مثبتة في جرائد الكرام الكاتبين ، وإذا كان كذلك فالطاعات تبطل استحقاق المعاصي ، والمعاصي تبطل استحقاق الطاعات ، ولا يلزم الدور .
قال : دليل ثالث : قوله تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ »
، وكذا قوله تعالى :
« إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ »
.
وكلمة
« عَلى »
يقتضي الحال . يقال : رأيت الأمير على أكله ، اى حال أكله . فالآية تقتضى حصول المغفرة حال اشتغال العبد بالظّلم ، وهو يدلّ على حصول المغفرة قبل التّوبة .
دليل رابع : أجمع المسلمون على كونه تعالى عفوّا ، والعفو لا يتحقق إلّا عند إسقاط العذاب المستحق . وعند الخصم يزول العقاب على الصّغيرة قبل التوبة ؛ والعقاب على الكبيرة بعدها واجب ، فلا يبقى للعفو معنى إلّا إسقاط العقاب على الكبيرة قبل التوبة .
احتجّ الخصم بقوله تعالى :
« وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها »
، وبقوله تعالى :
« وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ »
.
والجواب : سنبيّن في أصول الفقه أنّ صيغ العموم ليست قاطعة في الاستغراق ،