قيل لهم : هذا باطن لأنه لا ينكر أن يكون الذين قتلوه ما تعمدوا قتله ، وانما طالبوه بالخلع لما ظهر من احداثه واعتزال الأمر ليتمكنوا من إقامة غيره مقامه ، فلجّ وصمم على الامتناع ، فأقام على أمر واحد ، فقصد القوم بحصره إلجاءه إلى الخلع واعتصم بداره واجتمع إليه نفر من أوباش بني أمية يدفعون عنه ويرمون من دنا إلى الدار « 1 » ، فانتهى الأمر إلى القتال بتدريج ، ثم إلى القتل ، ولم يكن ذلك مقصودا في الأصل ، وإنما أفضى الأمر إليه على ترتيب ، وجرى ذلك مجرى ظالم غلب انسانا على رحله أو متاعه ، فان الواجب على المغلوب الدفع عن نفسه ومما نعته ليخلص ماله ، ولا يقصد إلى إيلامه ولا قتله ، فان أفضى الأمر إلى ذلك بلا قصد كان معذورا . وإنما خاف القوم من التأني والصبر عليه إلي أن يخلع نفسه من كتبه التي طارت في الآفاق ، يستنصر عليهم ويستقدم الجيوش إليهم ، ولم يأمنوا أن يرد بعض من يدفع عنه فيؤدي إلى الفتنة الكبرى والبلية العظمى .
وأ ما منع الطعام والماء ، فما فعل إلا تضييقا عليه ليخرج ويجيب إلى الخلع الواجب عليه . وقد يستعمل مثل ذلك فيمن لجأ إلى الحرم من ذوي الجنايات فتعذر إقامة الحد عليه ، لمكان الحرم في الشريعة . على أن أمير المؤمنين عليه السّلام أنكر منع الماء والطعام ، وأنفذ من مكّن من حمل ذلك ، لأنه قد كان في الدار من النساء والخدم والصبيان من لا يحل منعه الطعام والشراب . ولو كان حكم المطالبة بالخلع والتجمع عليه والتظافر فيه حكم منع الطعام والشراب في القبح والمنكر لانكره أمير المؤمنين ومنع منه كما منع عن غيره ، وقد روي عنه عليه السّلام أنه لما بلغه أن القوم قد منعوا الدار من الماء قال عليه السّلام : « لا أرى ذلك ان في الدار صبيانا
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري - حوادث سنه 35 - وعامة كتب التاريخ للفريقين .