ثم يقال لمن أجاز ما تضمنه السؤال : لم لا يجوز تكليف اختيار الشرائع والأنبياء ، والاخبار عما كان ويكون من الغائبات إذا علم أن من كلف ذلك يتفق له من الشرائع ما فيه المصلحة ، وفي الأنبياء من تجب بعثته « 1 » ، وفي الاخبار الصدق منها دون الكذب . ولا فرق بين من أجاز اختيار المعصوم وبين من أجاز جميع ما ذكرناه . فان ارتكبوا جواز ذلك - كما ارتكب موسى « 2 » بن عمران وأصحابه - قيل لهم : ولم لا يجوز أن يكلف اللّه تعالى المعارف ، ولا ينصب عليها أدلة - إذا كان المعلوم من أحوال المكلفين أنه يتفق لهم المعرفة باللّه وبصفاته - وهذا مما لا يرتكبه عاقل . ويلزم - أيضا - جواز تكليف الاختيار عن الأمور المستقبلة فيما لا يتعلق بالشرائع وتكليف الصدق فيها ، لأن الكل بمنزلة واحدة وقد امتنع من ارتكابه موسى بن عمران « 3 » .
ولا يمكنه أن يفصل بين الأمرين بأمر يظهر للعقلاء حسن ذلك ، وان ارتكب ذلك ظهر قبح ما ارتكبه للعقلاء ، لأن من المعلوم المتقرر في العقول قبح تكليف أحدنا غيره الاخبار عما يفعله المكلف - مستسرا به - وعن مبلغ أمواله التي لا طريق - لمن كلفه الاخبار عنها - إلى العلم بمبلغها . وليس يخرج هذا التكليف من القبح عليه ظن المكلف بأن المكلف يصيب اتفاقا ، أو علمه بذلك - لو قدرنا حصوله من نبي صادق - وإذا قبح هذا التكليف - وظهر سفه مكلفه لكل عاقل ولم تكن العلة في قبحه الا فقد الدليل - وجب قبح كل نظير له من التكاليف .
فان قيل : لم لا يجوز أن يكلفنا اللّه تعالى اختيار من ظاهره العدالة ويقول إذا اخترتم من هذه صفته فاعلموا أنه معصوم ، فانى قد علمت أنه لا يكون الا كذلك . فيحسن تكليفه لأنه تكليف لما عليه الامارات ، ونظن عندها عدالته
هامش
( 1 ) في نسخة : يجب بعثه .
( 2 ) في نفس الشافي : يونس بن عمران - من علماء الكلام - ولعله الأصح
( 3 ) في نفس الشافي : يونس بن عمران - من علماء الكلام - ولعله الأصح