من تنفيذ الأحكام واقامتها ، لأن الذم - في هذه الحال - راجع على المانع للامام بالقيام بما تعبّده اللّه بإقامته ، ولا لوم على مولّيه وجاعله إماما .
والمثال الذي ضربناه فيما تقدم يفرق أيضا بين الأمرين ، لأنه لا يقبح من الحكيم من الملوك أن يرد أمر وزارته إلى من يثق بالمعرفة والغنى ، وان جوّز أن يحول بعض رعاياه بين وزيره وبين كثير من تدبيره وتصرّفه ، ويقبح منه أن يولّيه ، وهو لا يعلم أحكام الوزارة ولا يحسنها .
فان قيل : يجب على قود « 1 » قولكم أن يكون الامام عالما بالبواطن لأنه لو لم يكن كذلك جاز أن يشهد بالسرقة والزنى على من لم يفعله كذبا وزورا وبهتانا « 2 » . فإن لم يعلم الامام باطن أحوالهم أدى إلى أن يقيم الحدود على من لا يستحقها ، وذلك لا يجوز ، لأنه خطأ عندكم .
قيل له : وهذا السؤال من جنس ما تقدم الكلام عليه ، لأنه انما أوجبنا أن يكون الامام عالما بما للّه تعالى فيه حكم : فإن كان للّه تعالى أحكام في البواطن فلا بد أن يعلم ذلك الامام ، وان لم يكن له أحكام في البواطن فكيف يلزم أن يكون الامام عالما بذلك على ما ليس له تعالى فيه حكم إذا أوجبنا كونه عالما به .
[ من أدلة كون الامام عالما بجميع الاحكام : انه حافظ للشرع ]
ومما يدل - أيضا - على أن الامام يجب أن يكون عالما بجميع أحكام الدين : ما ثبت من كون الامام حجة في الدين وحافظا للشرع . وقد دلّلنا ذلك فيما تقدم « 3 » ، فلو جوّزنا ذهاب بعض الأحكام عنه لقدح ذلك في كونه حجة من جهتين :
هامش
( 1 ) القود - بفتحتين - المقياس والمبنى .
( 2 ) هذه الكلمات متقاربة المعنى عند الاجتماع ، وأدناها الكذب وأعلاها البهتان
( 3 ) في أوائل فصل العصمة ، وفصل العلم .