هذه الصفات كان سفيها ، فبان الفرق بين الأمرين .
فان قيل : أليس قد علمنا أن الامام لا يصلح أن يغيّر حال المكلفين في القدرة والآلة والعقل ونصب الأدلة ، وسائر وجوه التمكين ، لأنه لا بدّ من كونها حاصلة « 1 » ، وإذا صح ذلك ، فما الذي يمنع من أن يستدلّوا بها ، فيعلموا ما كلفوه ، ويقوموا به مع الامام ، وهلّا كان حالهم - مع فقده - كحالهم مع وجوده ، لأن مع وجوده انما يستفيدون المعارف والعلوم بالنظر والأدلّة ، وذلك ممكن مع عدمه . . . ؟
يقال لهم : قد ذكرتم في أوّل السؤال ما إذا سلمنا لكم لم يضرّنا ولا ينفعكم ، ثمّ أدخلتم فيه ما فيه ابهام ولبس ، فيحتاج أن نفصّله ونبيّن قولنا فيه :
أمّا ما ذكرتموه من أن الامام لا يغيّر حال المكلفين من القدرة والعقل ونصب الأدلّة ، فهو على ما ذكرتم ، ثمّ أدخلتم فيه قولكم : ان سائر وجوه التمكين لا بدّ أن تكون حاصلة . وهذا لا يسلم ، لأن - عندنا - أن التمكين عبارة عن التكليف الذي حصل فيه جميع ما ينزاح به علة المكلف : من القدرة والآلة واللطف « 2 » ، وإذا كان الامام لطفا في بعض التكاليف - على ما قدمناه - فقبل حصوله محال أن نقول : قد حصل وجوه التمكين كلها . ثمّ لو جاز لهم
هامش
( 1 ) وهكذا شأن جميع شرائط التكليف العقلية ، فلا تجب على المكلف - بالكسر - تهيئتها للمكلف - بالفتح - وإنما يتوقف تنجز التكليف على حصولها للمكلف بأي سبب كان .
( 2 ) قلنا سابقا : المقصود من الآلة : مطلق الأسباب المؤدية إلى النتائج ويريد بالقدرة هاهنا : العقلية التي هي شرط لتنجز التكليف على المكلف ، فلا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها . واما اللطف : فقد عرفت : انه المقرب إلى الطاعة والمبعد عن المعصية . وهو أصل من أصول العدلية .