تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تكملة شوارق الألهام — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
لا يجوز أن يستحقّ من كل واحد منهما قدرا واحدا ؛ فإنّ الأمّة اجتمعت على أنّه لا دار غير الجنّة والنّار ، فلو تساوت الطاعات والمعاصي ، لتساقطتا بالتحابط والتباطل ، فلا يستحق الجنّة ولا النّار ، فليس إلّا أن نقطع بعدم التساوي . وأمّا الأعراف فإنّها ليست دارا غير الجنّة بل هي مواضع من الجنّة مرتفعة سمّيت بذلك ، لارتفاعها ففرض التساوي باطل . وأمّا مع التفاوت فقيل : إنّ كلّ لاحق من السيئة يبطل الحسنة السابقة كالعكس ولازمه أن لا يكون عند الإنسان من عمله إلّا حسنة فقط أو سيّئة كذلك . وإن شئت قلت : يسقط الثواب المتقدم بالمعصية المتأخّرة ، ويسقط الذنب المتقدم ، بالطاعة المتأخّرة من غير فرق في ذلك بين أن يكون أحدهما أكثر من الآخر أو أقلّ على ما نسب إلى أبي علي ؛ زعما منه أنّ حال المذنب كحال من خاط لغيره ثوبا ثم فتقه قبل أن يسلّمه إلى صاحبه فإنّه لا يستحق عليه الأجرة . وقيل : إنّه لا بدّ من الموازنة وهو أن ينقص من الأكثر بمقدار الأقلّ ويبقى الباقي سليما عن المنافي ، وهذا هو القول بالإحباط والتكفير والموازنة ، وهذه المسألة كما تراها كالمسألة المتقدمة لم تعتمد على حجّة يعوّل عليها بل الحجّة على خلافها ؛ لاستلزامها الظلم كما أشار إليه المصنّف قدّس سرّه بقوله تعالى :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
« 1 » وفي هذا المقصد آيات كثيرة غير ما ذكر ، فإنّها تدلّ على بقاء الأعمال المختلفة من غير تحابط وتباطل بالموازنة المزعومة وغيرها من الأوهام . نعم ، الحسنة ربما كفّرت السيّئة كما قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
« 2 » ومن هذا القبيل قوله تعالى :
أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
« 3 » . وقال سبحانه :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ . . .
« 4 » . بل يصرّح كتاب اللّه تعالى بأنّ بعض الطاعات يبدّل السيئات إلى الحسنات قال تعالى :
هامش
( 1 ) . الزلزلة ( 99 ) : 7 - 8 . ( 2 ) . الأنفال ( 8 ) : 29 . ( 3 ) . هود ( 11 ) : 114 . ( 4 ) . النساء ( 4 ) : 31 .