حدّ ينتفي المشقّة معه . وأمّا الإخلال بالقبائح فإنّه لا مشقّة عليهم ؛ لأنّ غناءهم بالثواب ينفي مشقة ذلك وأمّا أهل النّار فإنّهم لا يثابون لكونهم مضطرّين إلى ترك القبائح .
والحاصل أنّ
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها
« 1 » . وتطلبه مشيّتهم المصنوعة في دار التكليف إلّا أنّ لهم
لَدَيْنا مَزِيدٌ
« 2 » فوق مشيّتهم وإدراكهم بعناية اللّه تعالى ، فافهم .
« ويجوز توقّف الثواب على شرط ، وإلّا لأثيب العارف باللّه تعالى خاصّة » .
قال في كشف المراد : « ذهب جماعة إلى أنّ الثواب يجوز أن يكون موقوفا على شرط .
ومنعه آخرون . والأوّل هو الحق .
والدليل عليه أنّه لولا ذلك لكان العارف باللّه تعالى وحده مثابا مع عدم نظره في المعجزة وعدم تصديقه بالنّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، والتالي باطل فكذا المقدّم .
بيان الشرطيّة أنّ المعرفة طاعة مستقلّة بنفسها فلو لم يتوقّف الثواب عليها على شرط ، لوجبت إثابته من لم يصدّق بالنّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حيث لم ينظر في معجزته » « 3 » .
أقول : ما ذكره الشارح العلّامة قضيّة الجدال الكلامي بين المتكلّمين . وأمّا قضية كتاب اللّه تعالى والبرهان فأمر آخر ، فإنّ القرآن الحكيم يقرّر النسبة من العمل والجزاء ثوابا كان أم عقابا في آيات كثيرة :
منها : قوله :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
« 4 » . ومنها : قوله سبحانه :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
« 5 » .
فترى عيانا أنّه تعالى يثبت النسبة بين العمل والجزاء : الإحسان بالإحسان والإساءة بالإساءة ثم يكشف عن العينيّة والاتّحاد بين العمل والجزاء بقوله :
لِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ
ثم وصف الجزاء بالجزاء العادل وأنّهم لا يظلمون ، وأصرح الآيات في الباب قوله تعالى :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
« 6 » والآيات في الباب كثيرة تدلّ على
هامش
( 1 و 2 ) . ق ( 50 ) : 35 .
( 3 ) . كشف المراد ، ص 326 .
( 4 ) . النجم ( 53 ) : 31 .
( 5 ) . الأحقاف ( 46 ) : 19 .
( 6 ) . الزلزلة ( 99 ) : 7 - 8 .