ما استتمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الكلمة حتى هبط عليه الأمين جبرائيل بهذه الآية :
إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ
. « 1 » و « 2 »
فمعناه أنّ الذي يلي أموركم فيكون أولى بها منكم إنّما هو اللّه عزّ وجلّ ورسوله وعليّ لأنّه هو الذي اجتمعت به هذه الصفات : الإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في حال الركوع ، ونزلت فيه هذه الآية وقد أثبت اللّه فيها الولاية لنفسه تعالى ولنبيّه ولوليّه على نسق واحد ، وولاية اللّه عزّ وجلّ عامّة فولاية النبيّ والولي مثلها وعلى أسلوبها ، ولا يجوز أن يكون هنا بمعنى النصير أو المحبّ أو نحوها ؛ إذ لا يبقى لهذا الحصر وجه كما لا يخفى ، وأظنّ أنّ هذا ملحق بالواضحات . والحمد للّه رب العالمين .
قد يقال في المعارضة : إنّ لفظ
الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ
حقيقة في الجمع ، فكيف أطلق على الإمام - كرّم اللّه وجهه - وهو مفرد ؟
والجواب : أنّ العرب يعبّرون عن المفرد بلفظ الجمع لنكتة تستوجب ذلك ، والشاهد على ذلك قوله تعالى في سورة آل عمران :
الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
« 3 » وإنّما كان القائل نعيم بن مسعود الأشجعيّ وحده بإجماع المفسّرين والمحدّثين وأهل الأخبار ، فأطلق اللّه سبحانه عليه - وهو مفرد - لفظ « الناس » وهي للجماعة ، تعظيما لشأن الّذين لم يصغوا إلى قوله ولم يعبئوا بإرجاعه .
ونظائر ذلك لا تحصى ولا تستقصى ، وهذا من الأدلّة على جواز إطلاق لفظ الجماعة على المفرد إذا اقتضته نكتة بيانيّة .
وقد ذكر الإمام الطبرسي في تفسير الآية في مجمع البيان : إنّ النكتة في إطلاق لفظ الجمع على أمير المؤمنين تفخيمه وتعظيمه ، وذلك أنّ أهل اللغة يعبّرون بلفظ الجمع عن الواحد على سبيل التعظيم « 4 » .
هامش
( 1 ) . المائدة ( 5 ) : 55 - 56 .
( 2 ) . تفسير النيسابوري الثعلبي ، ذيل الآية :إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ . . ..
( 3 ) . آل عمران ( 3 ) : 173 .
( 4 ) . مجمع البيان ، ج 3 ، ص 275 .