فالجبائيان وأصحاب الحديث والأشعريّة قالوا : إنّه واجب سمعا لا عقلا . . . وقال أبو الحسين البصري والبغداديّون والإماميّة : إنّه واجب على العقلاء .
واستدلّ المصنّف رحمه اللّه على وجوب نصب الإمام على اللّه تعالى بأنّ الإمام لطف واللطف واجب . أمّا الصغرى فمعلومة للعقلاء ؛ إذ العلم الضروري بأنّ العقلاء متى كان لهم رئيس يمنعهم عن التغالب والتهارش ، ويصدّهم عن المعاصي ، ويعدّهم ويحثهم على فعل الطاعات ويبعثهم على التناصف والتعادل ، كانوا إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد ، وهذا أمر ضروري لا يشكّ فيه العاقل . وأمّا الكبرى فقد تقدّم بيانها » « 1 » .
أقول : قد تقدّم في برهان اللطف القائم على وجوب بعثة الأنبياء على اللّه سبحانه بيان اللطف ، وأنّه من ناموس تكميل الأنواع وبذلك يضمن عصمة صراط استكمال نوع الإنسان بحيث لا يتطرّق فيه احتمال الخطأ والضلال وإلّا لم يتمّ سنة التكميل في حق الإنسان وهو أشرف الأنواع وأكملها ، ويؤدّي ذلك إلى العبث المستحيل على اللّه الحكيم وهو معنى « اللّطف » الواجب على اللّه تعالى ، المعرّف في قولهم : « بأنّ اللطف ما يكون المكلّف معه أقرب إلى الطاعة وأبعد عن المعصية » .
وذلك الصراط ، هو الدّين القيّم الّذي أكمله اللّه تعالى وأعلن إكماله بقوله - عزّ وجلّ -
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
« 2 » .
فتمّ التشريع الإلهي وأكمله اللّه سبحانه بيد خاتم النبيّين صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فلا نبيّ بعده فالرّسول - صلوات اللّه عليه - خصّ بالتشريع المصون عن الخطأ والضلال ، بالوحي الإلهي والتنزيل ، وهذا أحد ركني اللطف .
وأمّا التبليغ وتفصيل جميع ما يحتاج إليه الناس في القرون المتعاقبة إلى يوم القيامة فيما يتفق الابتلاء به طول تلك القرون - من تفاصيل الأحكام بالنسبة إلى جميع شؤون الاجتماع وإظهار ما لم يتسنّ للنبيّ الإشادة به إمّا لتأخّر ظرفه أو لعدم تهيّؤ النفوس له وما إلى ذلك - فكلّ ذلك هو الركن الثاني من اللّطف الإلهي .
هامش
( 1 ) . كشف المراد ، ص 284 - 285 .
( 2 ) . المائدة ( 5 ) : 3 .