تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
يدفعون إلى جهنم ويسحبون فيها على وجوههم ، كما قال تعالى :
يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ
[ القمر : 48 ] . ومنها : يوم التقلب ؛ وهو : التحوّل ، قال اللّه تعالى :
يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ
[ النور : 37 ] أي : قلوب الكفار وأبصارهم ، فتقلب قلوب الكفار انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر ، فلا هي ترجع إلى أماكنها ، ولا هي تخرج ، فأما تقلب الأبصار فالزرقة بعد الكحل ، والعمي بعد البصر . وقيل : تتقلب القلوب بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك ، والأبصار تنظر من أي ناحية يعطون كتبهم ، وإلى أي ناحية يؤخذ بهم . وقيل : إن قلوب الشاكين تتحول عما كانت عليه من الشك ، وكذلك أبصارهم لرؤيتهم اليقين ، إلا أن ذلك لا ينفعهم في الآخرة . ومنها : يوم الشخوص والإقناع ؛ قال اللّه تعالى :
إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ
[ إبراهيم : 42 ] أي : لا تغمض فيه من هول ما ترى في ذلك اليوم . قاله الفراء . وقال ابن عباس رضي اللّه عنه : « تشخص أبصار الخلائق يومئذ إلى الهواء لشدة الحيرة فلا يغتمضون » .
مُهْطِعِينَ
[ إبراهيم : 43 ] أي : مديمي النظر . قال مجاهد والضحاك :
مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ
[ إبراهيم : 43 ] أي : رافعي رؤوسهم ، وإقناع الرأس رفعه . قاله ابن عباس ومجاهد . وقال الحسن : وجوه الناس يومئذ إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد . فإن قيل : فقد قال اللّه تعالى في غير هذه الآية :
خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ
[ القلم : 43 ] وقال :
خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ
[ القمر : 7 ] فكيف يكون الرافع رأسه الناظر نظرا طويلا حتى إن طرفه لا يرتد إليه خاشع البصر ؟ فالجواب : أنهم يخرجون حال المضي إلى الموقف خاشعة أبصارهم ، وفي هذه الحال وصفهم اللّه تعالى بخشوع الأبصار ، وإذا توافوا وضمهم الموقف وطال القيام عليهم فإنهم يصيرون من الحيرة كأنهم لا قلوب لهم ، ويرفعون رؤوسهم فينظرون النظر الطويل ولا يرتد إليهم طرفهم كأنهم قد نسوا الغمض أو جهلوه ، فهو تعسير عليهم . ومنها :
يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ
[ المرسلات : 35 ، 36 ] وذلك حين يقال لهم :
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
[ المؤمنون : 108 ] وتطبق عليهم جهنم ، على ما يأتي بيانه في أبواب النار . ومنها :
يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ
[ غافر : 52 ] وإن أذن لهم بأن يمكّنوا
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 267 | القرطبي