تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠

85 باب ما يلقى الناس في الموقف من الأهوال العظام والأمور الجسام

قال المحاسبي في ( كتاب التوهم والأهوال ) : « يحشر اللّه الأمم من الإنس والجن عراة أذلاء قد نزع الملك من ملوك الأرض ولزمهم الصّغار بعد عتوّهم ، والذلة بعد تجبّرهم على عباد اللّه في أرضه . ثم أقبلت الوحوش من أماكنها منكسة رءوسها بعد توحشها من الخلائق ، وانفرادها ذليلة من هول يوم النشور ، من غير ريبة ولا خطيئة أصابتها ، حتى وقفت من وراء الخلق بالذلة والانكسار لذلك الجبار ، وأقبلت الشياطين بعد تمردها وعتوّها خاضعة ذليلة للعرض على الملك الديان ، حتى إذا تكاملت عدة أهل الأرض من إنسها وجنها ، وشياطينها ووحوشها ، وسباعها وأنعامها وهوامها ، تناثرت نجوم السماء من فوقهم ، وطمست الشمس والقمر فأظلما عليهم ، ومارت سماء الدنيا من فوقهم ، فدارت من فوقهم بعظمها فوق رؤوسهم ، وجميع ذلك بعينك وعين أهل الموقف ينظرون إلى هوله ، ثم انشقت بغلظها فوق رؤوسهم ، وهي خمسمائة عام ، فيا هول صوت انشقاقها في سمعهم ، وتمزقت وتفطرت لهول يوم القيامة من عظم يوم الطامة ، ثم ذابت حتى صارت مثل الفضة المذابة ، كما قال الجبار تبارك وتعالى :
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
[ الرحمن : 37 ] وقال :
يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ
[ المعارج : 8 ، 9 ] أي : كالصوف المنفوش وهو أضعف الصوف ، وهبطت الملائكة من حافاتها إلى الأرض بالتقديس لربها ، فتوهم انحدارهم من السماء لعظم أجسامهم ، وكثرة أخطارهم ، وهول أصواتهم ، وشدة فرقهم من خوف ربهم ، وتوهم فزعك حينئذ وفزع الخلائق لنزولهم مخافة أن يكونوا قد أمروا بهم ، فأخذوا مصافهم محدقين بالخلائق منكسي رؤوسهم ، لعظيم هول يومهم ، قد تسربلوا أجنحتهم ونكسوا رؤوسهم بالذلة والخضوع لربهم ، وكذلك ملائكة كل سماء ، إلى السماء السابعة قد أضعف أهل كل سماء على أهل السماء الذين قبلهم في العدة ، وعظم الأجسام والأصوات ، حتى إذا وافى الموقف أهل السماوات السبع والأرضين السبع ، كسيت الشمس حرّ عشر سنين ، ثم أدنيت من الخلائق قاب قوسين أو أدنى ، فلا ظلّ ذلك اليوم إلا ظل عرش الرحمن ، فمن بين مستظلّ بظلّ العرش ، وبين مضح بحرّ الشمس قد صهرته ، واشتد فيها كربه وأقلقته ، وقد ازدحمت الأمم وتضايقت ودفع بعضها بعضا ، واختلفت الأقدام ، وانقطعت الأعناق من العطش ، قد اجتمع عليهم في مقامهم حرّ الشمس ، مع وهج أنفاسهم وتزاحم أجسامهم ،