تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
وسلب ما كان أعطاه ؛ أذعن وآب في وقت لا ينفعه الإياب ، ولم يزل عن اللّه تعالى في حال فهو الأواب . ومنها : يوم المصير ؛ وهو يوم المآب بعينه ، قال اللّه تعالى :
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
[ النور : 42 ] . فالخلق سائرون إلى أمر اللّه تعالى . وآخر ذلك دار القرار ، وهي الجنة أو النار ، قال اللّه تعالى في حق الكافرين :
قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ
[ إبراهيم : 30 ] . ومنها : يوم القضاء ؛ وهو أيضا يوم الحكم والفصل ، وسيأتي أن أول ما يقضي فيه الدماء ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقّها » . . . الحديث ، وفيه : « كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضى بين العباد » « 1 » . والفصل هو الفرق والقطع ، فيفصل يومئذ بين المؤمن والكافر ، والمسئ والمحسن . قال اللّه تعالى :
يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ
[ الممتحنة : 3 ] الآية . وهو يوم الحكم لأن إنفاذ الحكم هو إنفاذ العلم ، قال اللّه تعالى :
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ
[ الحج : 56 ] الآية . وقال :
ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ
[ الممتحنة : 10 ] . ومنها يوم الوزن
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ
[ الأعراف : 8 ] الآية . وسيأتي الكلام في الميزان ووزن الأعمال فيه في أبواب إن شاء اللّه . ومنها : يوم عقيم ؛ وهو في اللغة عبارة عن من لا يكون له ولد . ولما كان الولد يكون بين الأبوين ، وكانت الأيام تتوالى قبل وبعد ؛ جعل الاتباع بالبعدية فيها كهيئة الولادة ، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم وصف بالعقيم . ومنها : يوم عسير ؛ وهذا في حق الكافرين خاصة ، والعسر ضد اليسر ، فهو عسير على الكافرين لأنهم لا يرون فيه أملا ولا يقطعون فيه رجاء ، حتى إذا خرج المؤمنون من النار طلبوا مثل ذلك ، فيقال لهم :
اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
[ المؤمنون : 108 ] فحينئذ يكون المنع الصريح ، على ما يأتي بيانه في أبواب النار إن شاء اللّه تعالى . وأما المؤمنون فتنحل عقدهم بيسر إلى يسر ، فينحل طول الوقوف إلى تعجيل الحساب ، وتثقيل الموازين ، وجواز الصراط والظلال بالأعمال ، ولا تنحل للكافرين من هذه العقد عقدة واحدة إلا إلى أشد منها ، حتى إلى جهنم دار القرار .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( 987 ) .
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 265 | القرطبي