تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
ومنها : يوم مشهود ؛ سمّي بذلك لأنه يشهده كل مخلوق . وقيل : سمّي بذلك لأن الشهداء يشهدون فيه . على ما يأتي - واللّه أعلم - . ومنها : يوم التغابن ؛ سمّي بذلك لأن الناس يتغابنون في المنازل عند اللّه ؛ فريق في الجنة وفريق في السعير . وحقيقته في لسان العرب : ظهور الفضل في المعاملة لأحد المتعاملين ، والدنيا والآخرة دار العملين وحالين ، وكل واحد منهما للّه ، ولا يعطى أحدهما إلا لمن ترك نصيبه من الأخرى ، قال اللّه تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
[ الإسراء : 18 ] وقال :
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ
[ الشورى : 20 ] ومن أراد الآخرة فسعيه مشكور ، وحظه في الآخرة موفور . ومنها : يوم عبوس قمطرير ، والقمطرير : الشديد . وقيل : الطويل . وأما العبوس فهو الذي يعبس فيه ، سمّي باسم ما يكون فيه ، كما يقال : ليل قائم ، ونهار صائم ؛ وكلوح الوجه وعبوسه هو : قبض ما بين العينين ، وتغير السحنة عن عادتها الطلقة ، يقال : يوم طلق إذا كانت شمسه نيرة فاترة ، وإذا كانت شمسه مدجية قد غطاها السحاب ؛ قيل : يوم عبوس ، وأول العبوس والكلوح عند الخروج من القبور ورؤية الأعمال في الصور القبيحة كما تقدم ، وآخر ذلك كلوح النار ، وهو الكلوح الأعظم يشوي الوجوه ، ويسقط الجلود ، على ما يأتي . ومع العبوس تشخص الأبصار وهي ثبوتها راكدة على منظر واحد لهول لا ينتقل منه إلى غيره ، كما قال سبحانه :
لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ
[ إبراهيم : 42 ] . ومنها :
يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ
[ الطارق : 9 ] ؛ ومعناه : إخراج المخبآت بالاختبار بوزن الأعمال في الصّحف ، وبكشف الساق عند السجود ، على ما يأتي . ومنها :
يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً
[ الانفطار : 19 ] ؛ وهو مثل قوله :
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
[ البقرة : 48 ] وقال :
يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً
[ الدخان : 41 ] فكل نفس بما كسبت رهينة لا يغني أحد عن أحد شيئا ، بل ينفصل كل واحد عن أخيه وأبيه ، ولذلك كان يوم الفصل ويوم الفرار ، قال اللّه تعالى :
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً
[ النبأ : 17 ] وقال تعالى :
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
[ عبس : 34 - 37 ] أما إنه يجزي ويقضي ويعطي ويغني بغير اختياره من حسناته ما عليه من الحقوق ، على ما يأتي بيانه في أحاديث المفلس ، إن شاء اللّه تعالى . ومنها :
يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا
[ الطور : 13 ] ؛ والدّع : الدفع ، أي :
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 266 | القرطبي