تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
قال المؤلف رحمه اللّه : ما ذكره القاضي عياض من أن ذلك في الدنيا ، أظهر - واللّه أعلم - لما في الحديث نفسه من ذكر المساء والمبيت والصباح والقائلة ، وذلك ليس في الآخرة . وقد خرّج الترمذي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف ؛ صنفا مشاة ، وصنفا ركبانا ، وصنفا على وجوههم » . قيل : يا رسول اللّه ! كيف يمشون على وجوههم ؟ قال : « إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم ، أما أنهم يتقون بوجوههم كلّ حدب وشوك » « 1 » . قال هذا حديث حسن . فقوله : « يتقون بوجوههم كل حدب وشوك » يدل على أنه في الدنيا إذ ليس في الآخرة ذلك ، على ما يأتي من صفة أرض المحشر ، واللّه أعلم . وخرّج النسائي عن أبي ذر قال : « إن الصادق المصدوق حدثني ؛ أن الناس يحشرون ثلاثة أفواج ؛ فوجا راكبين طاعمين كاسين ، وفوجا تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم النار فوجا يمشون ويسعون ، يلقي اللّه الآفة على الظهر ، فلا تبقى ، حتى إن الرجل لتكون له الحديقة يعطيها بذات القتب لا يقدر عليها » « 2 » . وذكر عمر بن شبة في « كتاب المدينة » - على ساكنها السلام - عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : « آخر من يحشر رجلان ؛ رجل من جهينة وآخر من مزينة ، فيقولان : أين الناس ؟ فيأتيان المدينة ، فلا يريان إلا الثعلب ، فينزل إليهما ملكان ؛ فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس » « 3 » . وهذا كله مما يدل على أن ذلك في الدنيا ، كما قال القاضي عياض ، وأما الآخرة ؛ فالناس أيضا مختلفو الحال على ما ذكروه ، وسنذكر من ذلك ما فيه كفاية في الباب بعد هذا إن شاء اللّه . والحشر الثالث : حشرهم إلى الموقف - على ما يأتي بيانه في الباب بعد هذا - إن شاء اللّه ، قال اللّه تعالى :
وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً
[ الكهف : 47 ] . والرابع : حشرهم إلى الجنة والنار ، قال اللّه تعالى :
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً
[ مريم : 85 ] أي : ركبانا على النّجب . وقيل : على الأعمال كما تقدم .
هامش
( 1 ) حديث ضعيف ؛ تقدّم تخريجه في الحديث السابق . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 5 / 164 - 165 ) والنسائي ( 4 / 116 ) وهو في « ضعيف الجامع » ( 1801 ) . ( 3 ) أخرجه ابن شبّه في « أخبار المدينة » ( 1 / 278 - 279 ) بإسناد فيه رجل مبهم ، وفي الإسناد أيضا عطاء بن السائب ؛ « صدوق اختلط » . فالإسناد ضعيف ، واللّه أعلم .
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 231 | القرطبي