تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
الحديث ، وفي آخره : « أما أنهم يتقون بوجوههم كلّ حدب وشوك » « 1 » . فهذا إن ثبت مرفوعا فالركبان : هم المتقون السابقون ، الذين يغفر اللّه ذنوبهم عند الحساب ولا يعذبهم ، إلا أن المتقين يكونون على نجائب الجنة ، والآخرون على دواب سوى دواب الجنة . والصنف الثاني : الذين يعذبهم اللّه بذنوبهم ، ثم يخرجهم من النار إلى الجنة ، وهؤلاء يكونون مشاة على أقدامهم ، وقد يحتمل على هذا أن يمشوا وقتا ثم يركبوا ، أو يكونوا ركبانا ، فإذا قاربوا المحشر نزلوا فمشوا ، ليتفق الحديثان . والصنف الثالث : المشاة على وجوههم وهم الكفار . وقد يحتمل أن يكونوا ثلاثة أصناف : صنف مسلمون وهم ركبان ، وصنفان من الكفار ، أحدهما : العتاة وأعلام الكفر ، فهؤلاء يحشرون على وجوههم ، والآخرون الأتباع فهم يمشون على أقدامهم . قال المؤلف رحمه اللّه : وإلى هذا القول ذهب أبو حامد في كتاب « كشف علوم الآخرة » في قوله عليه السلام : كيف يحشر الناس يا رسول اللّه ؟ قال : « اثنان على بعير ، وخمسة على بعير ، وعشرة على بعير » . ومعنى هذا الحديث - واللّه أعلم - أن قوما يأتلفون في الإسلام برحمة اللّه ، يخلق اللّه لهم من أعمالهم بعيرا يركبون عليه ، وهذا من صنف العمل لكونهم يشتركون فيه ، كقوم خرجوا في سفر بعيد وليس مع واحد منهم ما يشتري به مطية توصله ، فاشترك في ثمنها رجلان أو ثلاثة فابتاعوا مطية يتعقبون عليها في الطريق ويبلغ بعير مع عشرة ، فاعمل هداك اللّه عملا يكون لك به بعير خالص من الشركة . واعلم أن ذلك هو المتجر الرابح ، فالمتقون وافدون كما قال الجليل :
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً
[ مريم : 85 ] . وفي غريب الراوية ؛ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال يوما لأصحابه : « كان رجل من بني إسرائيل كثيرا ما يفعل الخير حتى إنه ليحشر فيكم » . قالوا له : وما كان يصنع ؟ قال : « ورث من أبيه مالا كثيرا ، فاشترى بستانا ، فحبسه للمساكين ؛ وقال : هذا بستاني عند اللّه تعالى ، وفرّق دنانير عديدة في الضعفاء ، وقال : بهذا أشتري جارية من اللّه تعالى وعبيدا ، وأعتق رقابا كثيرة وقال : هؤلاء خدمي عند اللّه تعالى ، والتفت ذات يوم لرجل ضرير البصر فرآه تارة يمشي وتارة يكبو ، فابتاع له مطية يسير عليها ، وقال : هذه مطيتي عند اللّه تعالى أركبها ، والذي نفس محمد بيده لكأني أنظر إليها وقد جيء بها إليه مسرجة ملجمة يركبها تسير به إلى الموقف » « 2 » .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد ( 2 / 354 ، 363 ) والترمذي ( 3142 ) وهو في « ضعيف سنن الترمذي » ( 612 ) . ( 2 ) لم أعثر عليه .