تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
ومما أحدثوه من البدع قولهم : أن كل اسم يشتق له من أفعاله كان ذلك الاسم ثابتا له في الأزل . مثل الخالق ، والرازق ، والمنعم ، وقالوا : أنه كان خالقا قبل أن خلق ، ورازقا قبل أن رزق ، ومنعما قبل أن أنعم . فقيل لهم إذا لم يكن خلق فبما ذا يكون خالقا ؟ فقالوا : خالق بخالقية ، ورازق برازقية ثم طردوا - سخنت عيونهم فقالوا : عليم بعالمية ، قادر بقادرية ، لا بعلم ، ولا بقدرة ، وإن كان له علم وقدرة . فلحقوا بالمعتزلة في قولهم أنه عليم قادر لا بقدرة ، وزادوا عليهم قولهم أن له علما . ثم امتنعوا أن يقولوا أنه في الأزل خالق بخلقه أو لخلقه قالوا . إذا لم يكن خلق لا يمكن أن يقال إنه خالق بخلقه . وهذا يوجب عليهم أن لا يمكنهم القول بأنه خالق في الأزل إذ لا خالق بلا خلق ، كما لا يمكنه القول بأنه خالق لخلقه إذ لا خالق بلا خلق ، كما لا خالق للخلق إلا بخلق . وقولهم بالخالقية والعالمية إحداث لفظ لم يتكلم به عربى ، ولا عجمي ، ولا تعجب منهم أن يحدثوا مثل هذه العبارة ، وقد تكلم زعيمهم في كتاب عذاب القبر مما هو أعجب منه فقال : باب كيفوفية اللّه . فلا يدرى العاقل مم يتعجب من لفظه الّذي أطلقه ، أو من حسن معرفته بمواضع العربية . وليت شعري كيف أطلق الكيفية عليه ، ولعله أراد أن يخترع من نفسه عبارة لم يسبق إليها تليق بعقله فإنه قد قال في هذا الكتاب لما أراد أن يعبر عن مكان معبوده فقال : له حيثوثية يختص بها وأراد أن يتكلم على مخالفيه فقال : إذا قال لك الشكاك باحموقيتهم . وهذا الكتاب الملقب بعذاب القبر أصل مذهبهم ، وحكمه في الوصف والمعنى كما ذكرت لك . ولما اغتر بهم بعض اغمار الولاة نفق لهم سوق تطاولوا به على الرعايا ، فلحق بهم أقوام مسهم شيء من الفضل في باب الأدب فاستحيوا من إظهار كتابه الملقب بعذاب القبر ، فوضعوا كتابا آخر سموه بهذا الاسم ونسبوه إليه وهم يظهرونه وأخفوا أصله الّذي صنفه . واعلم أن من نوادر جهالاتهم فرقهم بين القول والكلام . وقولهم أن كلام اللّه قديم ، وقوله حادث وليس بمحدث ، وله حروف وأصوات ، وإنما هو قدرته على التكليم والتكلم . وأي عاقل يسوغ تفسير الكلام بالقدرة . وقالوا : كلامه ليس بمسموع ، وقوله مسموع . ومن سوء اختيارهم لحوقهم بالمعتزلة في القول بالواجبات العقلية قبل ورود الشرع ، وفي القول بإيجاب أشياء وحظر أشياء على اللّه تعالى ،