اعلم أنه لا خصلة من الخصال التي تعد في المفاخر لأهل الإسلام من المعارف ، والعلوم ، وأنواع الاجتهادات ، إلا ولأهل السنة والجماعة في تزيينها القدح المعلى ، والسهم الأوفر .
أما العلوم فأولها الرقى في مدارج الفضل والأدب الّذي هو ترجمان جميع العلوم ، ومعرض جميع الفوائد الفاخرة في الدنيا والآخرة ، إذ لا سبيل إلى تفسير القرآن وأخبار الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلا بمعرفة الأدب ، وجملة الأئمة في النحو واللغة من أهل البصرة والكوفة في دولة الإسلام كانوا من أهل السنة والجماعة ، وأصحاب الحديث والرأي . ولم يكن في مشاهيرهم من تدنس بشيء من بدع الروافض ، والخوارج ، والقدرية ، مثل أبى عمرو بن العلاء « 1 » الّذي قال له عمرو بن عبيد القدري : قد ورد من اللّه تعالى الوعد والوعيد ، واللّه تعالى يصدق وعده ووعيده ، فأراد بهذا الكلام أن ينصر بدعته التي ابتدعها في أن العصاة من المؤمنين خالدون مخلدون . فقال أبو عمرو : فأين أنت من قول العرب أن الكريم إذا أوعد عفا ، وإذا وعد وفي ، وافتخار قائلهم بالعفو عند الوعيد حيث قال :
وأنى إذا أوعدته أو وعدته * لمخلف ميعادي ومنجز موعدي
فعده من الكرم لا من الخلق المذموم ، وكذلك لم يكن في أئمة الأدب أحد إلا وله انكار على أهل البدعة شديد ، وبعد من بدعهم بعيد ، مثل الخليل ابن أحمد « 2 » ويونس بن حبيب « 3 » وسيبويه « 4 » والأخفش « 5 » والزجاج « 6 » والمبرد « 7 » وأبى حاتم السجستاني « 8 » وابن دريد « 9 » والأزهري « 10 » وابن فارس « 11 »
هامش
( 1 ) هو أحد القراء السبعة واحد أركان علم اللغة بالبصرة توفى سنة 154 ه رحمه اللّه .
( 2 ) هو إمام البصريين في النحو واللغة توفى سنة 175 ه رحمه اللّه .
( 3 ) هو من أصحاب أبي عمرو بن العلاء توفى سنة 182 ه رحمه اللّه .
( 4 ) هو عمرو بن عثمان الإمام المعروف توفى سنة 180 ه رحمه اللّه .
( 5 ) هو سعيد بن مسعدة توفى سنة 210 ه رحمه اللّه .
( 6 ) هو إبراهيم بن السرى توفى سنة 311 ه رحمه اللّه .
( 7 ) هو محمد بن يزيد صاحب الكامل توفى سنة 285 ه رحمه اللّه .
( 8 ) هو سهل بن محمد توفى سنة 250 ه رحمه اللّه .
( 9 ) هو محمد بن الحسن تكلموا فيه توفى سنة 321 ه رحمه اللّه .
( 10 ) هو أبو منصور محمد بن أحمد توفى سنة 370 ه رحمه اللّه .
( 11 ) هو أحمد صاحب المجمل توفى سنة 395 ه رحمه اللّه .