بينهم تكفير وتبرى يكفر بعضهم بعضا ، كما ذكرنا من الخوارج والروافض ، والقدرية ، حتى اجتمع سبعة منهم في مجلس واحد فافترقوا عن تكفير بعضهم بعضا وكانوا بمنزلة اليهود ، والنصارى حين كفر بعضهم بعضا حتى قال اليهود :
لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ
« 1 » وقال اللّه سبحانه وتعالى :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 2 » .
ومنها أن فتاوى الأمة تدور على أهل السنة والجماعة فريقى الرأي والحديث ، ومعظم الأئمة ينتحلون مذهبهم ويجتمعون على طريقهم وهو الغالب على بلاد المسلمين ، فهم إذا أهل الجماعة من سائر الوجوه ، وكلهم متفقون على رد مذهب الروافض ، والخوارج ، والقدرية ، من أهل الأهواء والبدع .
ومنها أن عبد اللّه بن عمر رضى اللّه عنه روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في تفسير قوله سبحانه وتعالى :
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ
« 3 » ( إن الذين تبيض وجوههم هم الجماعة « 4 » ، والذين تسود وجوههم هم أهل الأهواء ) « 5 » وأهل الأهواء هم الذين لا يتابعون الكتاب ولا السنة .
ومنها قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ
« 6 » فتبين أن الذين فارقوا دينهم أو فرقوا دينهم هم ليسوا على طريق الحق ، وجميع من ذكرناهم من فرق المخالفين يفرقون فيما بينهم كما وصفناه من اختلافهم فبان به أنهم مفارقون للدين ، وأهل السنة والجماعة مستمسكون به بعروة الإسلام وحبل الدين ، مجتمعون في أصولهم غير متفرقين ، فكانوا هم أهل النجاة دون من خالفهم في هذه الصفة .
الفصل الثالث : من فصول المفاخر لأهل الإسلام ، وبيان فضائل أهل السنة والجماعة وبيان ما اختصوا به من مفاخرهم .
هامش
( 1 ) سورة البقرة 113 .
( 2 ) سورة النساء 82 .
( 3 ) سورة آل عمران 106 .
( 4 ) ولفظ الخطيب في رواه مالك والديلمي عن ابن عمر مرفوعا « تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدع » وأما لفظ ابن أبي حاتم واللالكائى عن ابن عباس « تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدع والضلالة » .
( 5 ) هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء . . . كما رواه الطبراني مرفوعا في الصغير قال الهيثمي واسناده جيد .
( 6 ) سورة الأنعام 159 .