تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩

الفصل الثاني من هذا الباب : في طريق تحقيق النجاة لأهل السنة والجماعة في العاقبة :

اعلم أن الّذي تحقق لهم هذه الصفة ، منها قوله تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
« 1 » والمحبة من اللّه تعالى في متابعة الرسول سبب محبة الرب للعبد ، فكل من كان متابعته للرسول صلى اللّه عليه وسلم أبلغ وأتم كان المحبة له من اللّه أكمل وأتم ، وليس في فرق الأمة أكثر متابعة لأخبار الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأكثر تبعا لسنته من هؤلاء ولهذا سموا أصحاب الحديث ، وسموا بأهل السنة والجماعة ، ومنها أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما سئل عن الفرقة الناجية ، قال : « ما أنا عليه وأصحابي » « 2 » وهذه الصفة تقرر لأهل السنة لأنهم ينقلون الأخبار والآثار عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم والصحابة رضى اللّه عنهم ، ولا يدخل في تلك الجملة من يطعن في الصحابة من الخوارج ، والروافض ، ولا من قال من القدرية : إن شهادة اثنين من أهل صفين غير مقبولة على باقة بقل ، ومن ردهم وطعن فيهم لا يكون متابعا لهم ولا ملابسا بسيرتهم ، ومنها ما جاء في رواية أخرى أنه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن الفرقة الناجية فقال : « الجماعة » وهذه صفة مختصة بنا . لأن جميع الخاص والعام من أهل الفرق المختلفة يسمونهم أهل السنة والجماعة ، وكيف يتناول هذا الاسم الخوارج وهم لا يرون الجماعة ، والروافض وهم لا يرون الجماعة ، والمعتزلة وهم لا يرون صحة الاجماع . وكيف تليق بهم هذه الصفة التي ذكرها الرسول صلى اللّه عليه وسلم . ومنها أنهم يستعملون في الأدلة الشرعية كتاب اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وإجماع الأمة والقياس ، ويجمعون بين جميعها في فروع الشريعة ويحتجون بجميعها ، وما من فريق من فرق مخالفيهم إلا وهم يردون شيئا من هذه الأدلة . فبان أنهم أهل النجاة باستعمالهم جميع أصول الشريعة دون تعطيل شيء منها . منها أن أهل السنة مجتمعون فيما بينهم لا يكفر بعضهم بعضا وليس بينهم خلاف يوجب التبرؤ والتكفير ، فهم إذا أهل الجماعة قائمون بالحق واللّه تعالى يحفظ الحق وأهله كما قال تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
« 3 » قال المفسرون : أراد به الحفظ عن التناقض وما من فريق من فرق المخالفين إلا وفيما
هامش
( 1 ) سورة آل عمران 31 . ( 2 ) سبق تخريج الحديث . ( 3 ) سورة الحجر 9 .
التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين — صفحة 159 | ابو المظفر الاسفرايني