وقوله : « امّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض » معناه ان أوامر النبوة الصريحة تحل في القلوب التي هي ارض الحكمة ، يا سبحان اللّه كيف جاز التأويل هاهنا ومنع في غيره ؟ والرسول يقول : ما نزلت عليّ آية الّا ولها ظاهر وباطن ، فلقد افترى على صاحب الشريعة من انكر تأويلها ، لأنه لا ينبغي لعاقل ان يشك في رسول اللّه ( صلعم ) ان نفسه قد بلغت من العلم والعقل المبلغ العالي الذي يعجز عنه اقرانه ، واشكاله من النبيين صلوات اللّه عليهم أجمعين ، ومعلوم ان في الصورة العقلية من الأعاجيب أكثر ممّا في الطبيعيات ، فلا يجوز ان ينسب إلى النبي ( صلعم ) ان ليس في شريعته ، ولا في كتابه العزيز الّا ما يحمل على الطبيعة الجسمانية فقط ، هذا ما لا يقوله أحد ، بل إنه اي القرآن حجته للعالم ، ومرجعه إليه ، قال اللّه تعالى :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
وقال اللّه تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
وقال :
بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ
وقال تعالى :
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
وقال :
تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ
وقال :
وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
واني لو اخذت اذكر ما في القرآن ، ممّا هذا سبيله لطال الخطاب « 1 » ، والذي يجب الانتباه إليه عند تلاوته ، والذي تهيأت نفسه لطلبه ، وهذا مما يجب
هامش
( 1 ) وردت في م الكلام .