فطر عليه القلوب ، وشهد به الوجدان الصحيح ، وقاد إليه برهان التوحيد .
ولمّا كانت تلك الكمالات عين الوجود ؛ لأنّه إذا ثبت عينيّتها في الوجود التامّ الواجبي ، والفيض المقدّس ظلّه وفعله ، وكلّ موجود معلول مرتبة من مراتب ذلك الظلّ الممدود ،
كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
« 1 » والفعل لا يخالف الفاعل إلّا بالفيئيّة والأصليّة ، والمعلوليّة والعلّيّة ، والمحدوديّة وعدمها .
وبالجملة ، بينونة الرقيقة والحقيقة ، والأثر مع المؤثّر ، والظهور الذي صرف الربط بالظاهر وآية منه وأنموذج ظلّي يصحّ الاستدلال به عليه ، ويستهدى به إليه مع ما هو الظاهر به ، لاكحال الشيء مع شيء آخر تشاركا في الشيئيّة ، وتفارقا فيما به التميّز بين الأشياء ، وكلّ منهما يقول بلسان ذاته ، ويترنّم بمقالة شيئيّته : أنا شيء وأنت شيء ؛ فإنّ هذا مناف لمقام العلّة والمعلول ، وخصوصا في حقيقة الوجود بالمعنى المقابل للظلّ والفعل ، المتعيّنة بذاتها والظاهرة لغيرها ، بل لا غير ، ولا شيء سواها ؛ لأنّها صرف التحقق ، ومحض التأصل وبحت النور ، ولا تكرّر ولا تميّز ، ولا تجزّؤ ولا تركّب في صرف الشيء
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، اللَّهُ الصَّمَدُ
« 2 » .
وما يطلق عليه الغير إمّا هو العدم وليس إلّا البطلان المحض ، وإمّا الماهيّة وليست إلّا حدّا وتعيّنا لمراتب فيضه المقدّس التي كلّها أفعاله وآثاره تعالى ، وفعل الشيء - كما ذكر آنفا - ليس إلّا فيئه وظهوره ، وظهور الشيء من حيث هو ظهوره ليس بشيء وإلّا لم يكن ظهور الشيء ، بل حجابا عنه وظهورا لنفسه . ولا خفاء في مغايرة الربطيّة والاستقلال ، ومبائنة الأثريّة والاستئثار .
وإذا كان الأمر في صفات الحقّ الأعلى هو العينيّة فكذلك كمالات آثاره ومعاليله التي هي آياته ليست مغايرة مع وجوداتها حقيقة ، كما ورد في المأثورات عن المعصومين صلوات اللّه عليهم أجمعين : « اللّهمّ إنّي أسألك من كلماتك بأتمّها وكلّ كلماتك تامّة » « 3 »
وفي التنزيل
بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ
« 4 »
وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ
« 5 » .
وقال أمير المؤمنين عليه السّلام : « وإنّما كلامه فعل منه أنشأه ومثّله » « 6 » ، نعم ، تلك الكمالات تخفى
هامش
( 1 ) . الإسراء ( 17 ) الآية 184 .
( 2 ) . الإخلاص ( 112 ) الآية 1 و 2 .
( 3 ) . الإقبال ، ص 77 و 100 .
( 4 ) . آل عمران ( 3 ) الآية 45 .
( 5 ) . النساء ( 4 ) الآية 171 .
( 6 ) . نهج البلاغة ، الخطبة 186 .