ونزيد المقام إيضاحا ، ونقول : كما أنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه تعالى وما يطلق عليه « الوسائط » باصطلاح إنّما هي « معدّات » لتمام الاستعداد ، و « شروط » معتبرة في طرف القابل ، وتماميّة قبوله ، لا أنّها مستقلّات في الإيجاد ، وصالحة لأن تنسب إليها الإضافات على وجه الحقيقة ، كما ورد عن إمام الموحّدين ، ولسان الوحي ، سيّد شباب أهل الجنّة ، أبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام في دعائه يوم العرفة على ما في كتاب الإقبال :
« كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك « 1 » ، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك ، ومتى بعدت حتّى تكون الآثار هي التي توصل إليك ، عميت عين لا تراك . . . » « 2 » .
وقد نطق به التنزيل الوارد على قلب سيّد المرسلين صلّى اللّه عليه وآله :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
« 3 » ، وظاهر أنّها هي المعيّة القيّوميّة التي له تعالى بالنسبة إلى كلّ موجود .
وبالجملة ، فلا واسطة في الإيجاد ، وليس أنّ الفيض ظهر بالتعيّن القلمي مثلا ، ثمّ القلم ظهر بغيره وهكذا ، بل الذي أوجد القلم هو الذي أوجد المادّة الجسمانيّة « قل اللّه خالق كلّ شئ وهو بكلّ شئ عليم » « 4 » .
وإذا نسب شيء إلى تلك الوسائط فهذا من وجهين : وجه خاصّ ببعض منها ، وهو شدّة قرب ذلك القبيل منهم إلى نور الأنوار ، وكونهم من صقعه تعالى ؛ بحيث لا يشغلهم شأن عن الوله في ربّهم ، ومعشوقهم ، واستهلاك تعيّناتهم في شدّة نوريّتهم
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
« 5 » .
ووجه عامّ ، وهو أنّ مالها من القدرة والسلطان فهو كوجوداتها ظهور من ظهورات القدرة التامّة ، والسلطنة المطلقة الإلهيّة .
ولما ذكرنا من الوجهين ورد في التنزيل الإلهي :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
« 6 »
هامش
( 1 ) . لا يخفى أنّ المنطبق على المقام هي الفقرة الأولى من كلامه عليه السّلام ، وأمّا الفقرات الباقية فمناسبة للوجه الأخير الآتي .
( 2 ) . الإقبال ، ص 348 .
( 3 ) . الحديد ( 57 ) الآية 4 .
( 4 ) . اقتباس من الرعد ( 13 ) الآية 16 والأنعام ( 6 ) الآية 101 .
( 5 ) . التحريم ( 66 ) الآية 6 .
( 6 ) . الأنفال ( 8 ) الآية 17 .