مثلا : يكتب في هذا اللوح مقدار عمر زيد وانّه خمسون سنة ، ومعناه انّ المقتضي لعمره إلى ذلك الحين موجود . ومع ذلك فليس ذلك ( اي المقتضي ) علّة تامّة لذلك الحد من العمر ، بل جزء علّة ، أو علّة ناقصة ومقتض له ، فيجوز فيه التبدّل والتغيّر بالزيادة والنقيصة فإذا وصل الرحم يتغيّر التقدير الأوّل ، ويتبدّل إلى ستّين كما انّه إذا قطع الرحم يتبدّل الخمسون إلى الأربعين ، فصالح الأعمال وطالحها مؤثّرة في تغيير التقدير الأوّل بالزيادة والنقيصة .
وليس هذا ( اي الحكم حسب المقتضي ) أمرا بدعا بل له نظائر في الحياة ، فالطبيب الحاذق إذا اطلع على مزاج شخص يقدّر عمره ستّين سنة لكن هذا التقدير يتغيّر بالأعمال الصحيحة وضدّها ، فلو قام الشخص بالرياضة البدنيّة ربّما زاد عمره إلى سبعين كما انّه لو شرب المشروبات المضرّة تناقص عمره .
فحكم الطبيب حكم حسب المقتضي ، ولكن هذا الحكم في يد التغيّر والتبدّل .
إذا عرفت هذا فانّ الاخبارات الصادرة من الأنبياء لأجل اتصالهم باللوح الثاني الذي في معرض التغيّر والتبدّل فيخبرون لمصالح حسب ما يقتضي المقتضي مع احتمال تغيّرها حسب توفّر الشروط وعدمها ، أو الموانع وعدمها .
وفي هذا المجال يقول العلّامة المجلسي في عالم الإثبات : اعلم أنّ الآيات والأخبار تدلّ على انّ اللّه خلق لوحين ، أثبت فيها ما يحدث من الكائنات :
أحدهما اللوح المحفوظ الذي لا تغيّر فيه أصلا وهو مطابق لعلمه
البداء في ضوء الكتاب والسنة — صفحة 83
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٨٣