يجعل نوره في قلوب الناس أجمعين : العصاة والمطيعين حتّى لا ييأسوا من روح اللّه ، ولا يتصوّروا انّه إذا قدّر كونهم من الأشقياء وأهل النّار فلا فائدة في السعي والكدح ، بل يجب عليهم ان يعتقدوا بانّ اللّه سبحانه لم يجف قلمه في لوح المحو والاثبات فله ان يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، ويسعد من شاء ويشقي من شاء حسب ما يتحلّى به العبد من مكارم الأخلاق وبصالح الأعمال ، أو يرتكب من طالح الأعمال وليست مشيئته سبحانه جزافيّة غير تابعة لضابطة حكيمة ، بل لو تاب العبد وعمل بالفرائض ، وتمسّك بالعصم خرج من صفوف الأشقياء ودخل في عداد السعداء وبالعكس .
وهكذا كلّ ما قدّر في حقّ الانسان من الحياة والموت والصحّة والمرض ، والغنى والفقر ، والسعادة والشقاء يمكن تغييره بالدعاء ، والصدقة ، وصلة الرحم ، وإكرام الوالدين ، فالبداء يبعث نور الرجاء في قلوب هؤلاء .
وقال السيد مكّى في كتابه عقيدة الشيعة في الإمام الصادق في بيان فوائد البداء ولزوم الالتزام به : انّ في البداء الاقرار بقدرته تعالى ، وانّ جميع الأمور تحت سلطانه يتصرّف فيها كما يشاء على حسب ما تقتضيه المصالح التي يراها اللّه تعالى وهو موجب لانقطاع العبد إلى ربّه عند طلب الحاجات والابتهال إليه تعالى بالدعاء في نجاح ما سأل وفيه الاستكانة والتضرّع والخوف منه تعالى والرجاء منه ما لا يرجى من غيره ، وظهور العبد بمظهر العجز بين يدي من له الحول والقوّة ، ولو كان كلّ ما جرى فيه التقدير كائنا حتما ولا يكون أبدا لم ينفع الدعاء والتوسّل ولحصل اليأس من إجابة الدعاء ، ولكان ما ورد
البداء في ضوء الكتاب والسنة — صفحة 48
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤٨