وأين ما ادّعوا من وجود اخبارات كثيرة أخبر بها أئمة الشيعة ثمّ حصل فيها البداء ، في حين انّ أكثر هذه الأخبار وردت في القرآن الكريم وهو ممّا يجب على كافّة المسلمين المعتقدين به أن يفسّروه ويعالجوه ، وبعضها الآخر يرجع إلى الأنبياء والرسل السابقين ، وقد ورد في قصص الأنبياء ، وشأنها شأن سائر قصصهم ، فلا يبقى إلّا مورد واحد هو : اخبار عليّ ( عليه السلام ) بالرخاء بعد سنة السبعين ولم يتحقّق بعد مضيّه لحصول « البداء » فيه لأجل عدم تحقّق شروطه كما أشرنا إليه .
فأين هذا من ادّعاء الرازي وسليمان من وجود اخبار الأئمة بحوادث كثيرة وقع فيها البداء وبذلك برّروا عدم تحقّق اخباراتهم الكثيرة لشيعتهم أفهل يصلح مورد واحد للاستناد إليه في رمي أئمة الاماميّة بهذه التهمة وأنّهم اختلقوا عقيدة البداء لتبرير عدم تحقّق ما يخبرون به . والحال أنّ من ينظر إلى روايات البداء يرى أكثرها راجعا إلى مسألة البداء في مجال الثبوت ، وناظرا إلى تبيين مفهوم البداء الذي فيه إمكان تغيير المقدّر وتحويل المصير بتغيير العمل والسلوك ، والتحوّل من العمل الطالح إلى العمل الصالح كما يلاحظ ذلك من الحديث رقم 2 ، و 3 و 5 و 7 و 9 و 11 و 12 و 13 و 14 و 16 و 18 إلى غير ذلك وانّ هذه العقيدة كانت ردّا على ما كان يعتقده اليهود والقدريّة من فراغ اللّه من الأمر وعدم قدرته أو قدرة الانسان على تغيير التقدير وتبديل المقدّر مثل ما نراه في رواية 6 و 17 وغيرهما التي صرّحت بأنّ العقيدة جاءت في مقام الردّ على عقيدة اليهود القائلين بفراغه سبحانه عن الأمر واعتزاله عن كلّ شأن .
البداء في ضوء الكتاب والسنة — صفحة 109
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص١٠٩