المسائل يوماً فيوماً ، اتّسع نطاق الشريعة واكتملت الأحكام تلو هذه الأحوال والتطوّرات .
فهذه الشرائع ( مع اختلافها في بعض الفروع والأحكام نظراً إلى الأحوال الأُممية والشؤون الجغرافية ) لا تختلف في أُصولها ولبابها ، بل كلّها تهدف إلى أمر واحد ، وتسوق المجتمع إلى هدف مفرد ، والاختلاف إنّما هو في الشريعة والمنهاج لا في المقاصد والغايات كما قال سبحانه :
« لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ »
« 1 » .
وقال سبحانه :
« ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ »
« 2 » .
وخلاصة القول : إنّ السنن مختلفة ، فللتوراة شريعة ، وللإنجيل شريعة ، وللقرآن شريعة ، ولكن الدين هو الأُصول والعقائد والأحكام التي تساير الفطرة الإنسانية ولا تخالفها واحدة منها .
وهاتان الآيتان لا تهدفان إلى اختلاف الشرائع في جميع موادّها ، ومواردها اختلافاً كلّياً بحيث تكون النسبة بينها نسبة التباين ، كيف وهو سبحانه يأمر نبيَّه بالاقتداء بهدى أنبيائه السالفين ويقول :
« أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ »
« 3 » .
هامش
( 1 ) . المائدة : 48 . أي جعلنا لكلٍّ من موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام ، أو لكلٍّ من أُمم التوراة والإنجيل والقرآن شريعة وطريقاً خاصاً إلى ما هو الهدف الأقصى من بعث الرسل ومنهاجاً واضحاً ، والاختلاف بين الكتب والشرائع جزئي لا كلّي ، والنسخ في بعض الأحكام لا في جميعها .
( 2 ) . الجاثية : 18 .
( 3 ) . الأنعام : 90 .