إنّ الخليفة الثاني لم يدّع النسخ وإنّما أسند التحريم إلى نفسه ، ولو كان هناك ناسخ من اللَّه عزّ وجلّ أو من رسوله ، لأسند التحريم إليهما ، وقد استفاض قول عمر وهو على المنبر : متعتان كانتا على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وأنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما : متعة الحج ومتعة النساء .
بل نقل متكلّم الأشاعرة في شرحه على شرح التجريد أنّه قال : أيّها الناس ثلاث كنّ على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، وأنا أنهى عنهنّ ، وأُحرمهنّ ، وأُعاقب عليهنّ :
متعة النساء ، ومتعة الحج ، وحيّ على خير العمل . « 1 »
وقد روي عن ابن عبّاس - وهو من المصرّحين بحلّية المتعة وإباحتها - في ردّه على من حاجّه بنهي أبي بكر وعمر لها ، حيث قال : يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ، أقول : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، وتقولون : قال أبو بكر وعمر . حتّى أنّ ابن عمر لمّا سئل عنها ، أفتى بالإباحة ، فعارضوه بقول أبيه ، فقال لهم : أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أحقّ أن يتّبع أم أمر عمر ؟
كلّ ذلك يعرب عن أنّه لم يكن هناك نسخ ولا نهي نبوي ، وإنّما كان تحريماً من جانب الخليفة ، وهو في حدّ ذاته يعتبر اجتهاداً قبالة النصّ الواضح ، وهو ما انفكّ يعلن جملة من الصحابة رفضهم له وعدم إذعانهم لأمره ، وإذا كان الخليفة قد اجتهد لأسباب رآها وأفتى على أساسها ، فكان الأولى بمن لحقوه أن يتنبّهوا لهذا الأمر لا أن يسرفوا في تسويغه دون حجّة ولا دليل .
هامش
( 1 ) . مفاتيح الغيب : 10 / 52 - 53 ؛ شرح التجريد للقوشجي : 484 ط إيران .