تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
وينقص منهما ، وينزل الرحمة والبركة ، كما ينزل البلاء والنقمة ، حسب مشيئته الحكيمة ، النافذة ، ولا تصدر عنه الأُمور جزافاً واعتباطاً ، بل حسب ما تقتضيها حال العباد من حسن الأفعال وقبحها ، وصالح الأعمال وطالحها . فربّما يكون الإنسان مكتوباً في الأشقياء ، ثمّ يمحى فيكتب من السعداء ، أو على العكس بسبب ما يقوم به من أعمال . وبالجملة : فالبداء في عالم الثبوت مخالف لزعم اليهود والنصارى المشار إليه في قوله سبحانه :
« وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً »
« 1 » ، وقد ردَّ سبحانه تلك العقيدة اليهودية الباطلة في هذه الآية كما هو واضح . ولأجل أنّ يديه سبحانه مبسوطتان ، يزيد في الخلق ما يشاء - وفي العمر - وينقص منه ، حسب مشيئته الحكيمة قال سبحانه :
« الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
. . .
يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
« 2 » . قال سبحانه :
« وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ »
« 3 » . وبناء على ذلك فالبداء بهذا المعنى ممّا يشترك فيه كلّ المسلمين ، على مذاهبهم المختلفة ، من دون اختصاص بالشيعة ، فليس أحد من المسلمين ينكر أنّه سبحانه كلّ يوم هو في شأن ، وأنّه جلّ وعلا يبدئ ويعيد ، ويحيي ويميت ،
هامش
( 1 ) . المائدة : 64 . ( 2 ) . فاطر : 1 . ( 3 ) . فاطر : 11 .
بحوث في الملل والنحل — صفحة 330 | الشيخ جعفر السبحاني