تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
الغاشمة ، فقتل الآلاف منهم ، وأمّا من بقي منهم على قيد الحياة فقد تعرّض إلى شتّى صنوف التنكيل والإرهاب والتخويف ، والحق يقال إنّ من الأُمور العجيبة أن يبقى لهذه الطائفة باقية رغم كلّ ذلك الظلم الكبير والقتل الذريع ، بل العجب العجاب أن تجد هذه الطائفة قد ازدادت قوّة وعدّة ، وأقامت دولًا وشيّدت حضارات وبرز منها الكثير من العلماء والمفكرين . فلو كان الأخ السنّي يرى التقية أمراً محرّماً فليعمل على رفع الضغط عن أخيه الشيعي ، وأن لا يضيق عليه في الحرّية التي سمح بها الإسلام لأبنائه ، وليعذره في عقيدته وعمله كما عذر أُناساً كثيرين خالفوا الكتاب والسنّة وأراقوا الدماء ونهبوا الدور ، فكيف بطائفة تدين بدينه وتتّفق معه في كثير من معتقداته ؟ وإذا كان معاوية وأبناء بيته والعباسيون كلّهم عنده مجتهدين في بطشهم وإراقة دماء مخالفيهم ، فما ذا يمنعه عن إعذار الشيعة باعتبارهم مجتهدين ؟ وإذا كانوا يقولون - وذاك هو العجيب - إنّ الخروج على الإمام عليّ عليه السلام غير مضرّ بعدالة الخارجين والثائرين عليه ، وفي مقدّمتهم طلحة والزبير وأُمّ المؤمنين عائشة ، وإنّ إثارة الفتن في صفّين - التي انتهت إلى قتل كثير من الصحابة والتابعين ، وإراقة دماء الآلاف من العراقيين والشاميين - لا تنقص شيئاً من ورع المحاربين ، وهم بعد ذلك مجتهدون معذورون لهم ثواب من اجتهد وأخطأ ، فلم لا يتعامل مع الشيعة ضمن هذا الفهم ، ويذهب إلى أنّهم معذورون ومثابون ! ! نعم كانت التقية بين الشيعة تزداد تارة وتتضاءل أُخرى ، حسب قوّة الضغط وضآلته ، فشتّان ما بين عصر المأمون الذي يجيز مادحي أهل البيت ، ويكرم العلويين ، وبين عصر المتوكّل الذي يقطع لسان ذاكرهم بفضيلة .
بحوث في الملل والنحل — صفحة 307 | الشيخ جعفر السبحاني