تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
الشيعي وإلى وقت قريب يتحاشى أن يقول : إنّ اللَّه ليس له جهة ، أو إنّه تعالى لا يُرى يوم القيامة ، وإنّ المرجعية العلمية والسياسية لأهل البيت بعد رحيل النبيّ الأكرم ، أو إنّ حكم المتعة غير منسوخ ؛ فإنّ الشيعي إذا صرّح بهذه الحقائق - التي استنبطت من الكتاب والسنّة - سوف يُعرّض نفسه ونفيسه للمهالك والمخاطر . وقد مرّ عليك كلام الرازي وجمال الدين القاسمي والمراغي الصريح في جواز هذا النوع من التقية ، فتخصيص التقية بالتقية من الكافر فحسب جمود على ظاهر الآية وسدّ لباب الفهم ، ورفض للملاك الذي شُرّعت لأجله التقية ، وإعدام لحكم العقل القاضي بحفظ الأهمّ إذا عارض المهمّ . والتاريخ بين أيدينا يحدّثنا بوضوح عن لجوء جملة معروفة من كبار المسلمين إلى التقية في ظروف عصيبة أوشكت أن تؤدي بحياتهم وبما يملكون ، وخير مثال على ذلك ما أورده الطبري في تاريخه عن محاولة المأمون دفع وجوه القضاة والمحدّثين في زمانه إلى الإقرار بخلق القرآن قسراً حتّى وإن استلزم ذلك قتل الجميع دون رحمة ، ولمّا أبصر أُولئك المحدِّثون حد السيف مشهراً عمدوا إلى مصانعة المأمون في دعواه وأسرّوا معتقدهم في صدورهم ، ولمّا عوتبوا على ما ذهبوا إليه من موافقة المأمون ، برّروا عملهم بعمل عمّار بن ياسر حين أُكره على الشرك وقلبه مطمئنّ بالإيمان ، والقصّة شهيرة وصريحة في جواز اللجوء إلى التقية التي دأب البعض على التشنيع فيها على الشيعة ؛ وكأنّهم هم الذين ابتدعوها من بنات أفكارهم دون أن تكون لها قواعد وأُصول إسلامية ثابتة ومعلومة . « 1 »
هامش
( 1 ) . تاريخ الطبري : 7 / 195 - 206 .
بحوث في الملل والنحل — صفحة 305 | الشيخ جعفر السبحاني