تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
فياض بنحو آخر ، وهو تقرير رصين نقتطف منه ما يلي : كان النبي الأكرم يدرك منذ فترةٍ أنّ أجله قد دنا ، وأعلن ذلك بوضوح في حجّة الوداع ولم يفاجئه الموت مفاجأة ، وهذا يعني أنّه كان يملك فرصة كافية للتفكير في مستقبل الدعوة ، وفي هذا الضوء يمكننا أن نلاحظ أنّه كانت أمام النبي ثلاثة طرق بالإمكان انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة : الطريق الأوّل : أن يقف من مستقبل الدعوة موقفاً سلبياً ويكتفي بممارسة دوره في قيادة الأُمّة وتوجيهها فترة حياته ويترك مستقبلها للظروف والصدف ، وهذه السلبية لا يمكن افتراضها في النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنّها انّما تنشأ من أحد أمرين كلاهما لا ينطبقان عليه : 1 - « الاعتقاد بأنّ هذه السلبية والإهمال لا تؤثّر على مستقبل الدعوة ، وأنّ الأُمّة قادرة على التصرّف بالشكل الّذي يحمي الدعوة ، ويضمن عدم الانحراف » . وهذا الاعتقاد لا مبرّر له من الواقع إطلاقاً ، لأنّ الدعوة الإسلامية بما أنّها كانت تغييراً انقلابياً في بدايته ، تستهدف بناء أُمّة ، واستئصال كل جذور الجاهلية منها ، تتعرّض لأكبر الأخطار إذا خلت الساحة من قائدها ، وتركها دون أي تخطيط . فهناك الأخطار تنبع عن طبيعة مواجهة الفراغ دون أي تخطيط سابق ، فإنّ الرسول إذا ترك الساحة دون تخطيط لمصير الدعوة ، فسوف تواجه الأُمّة لأوّل مرّة ، مسؤولية التصرّف بدون قائدها ، تجاه مشاكل الدعوة ، وهي لا تملك أي مفهوم مسبق بهذا الصدد . وسوف يتطلّب منها الموقف تصرّفاً سريعاً آنيّاً بالرغم من خطورة المشكلة ، لأنّ الفراغ لا يمكن أن يستمر .
بحوث في الملل والنحل — صفحة 18 | الشيخ جعفر السبحاني