تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
أقول : إنّ مراده أنّ التشيّع كان في عصر الرسول وبعده بمعنى الحبّ والولاء لعليّ لكنّه انتقل بيد الفرس إلى معنى آخر وهو كون الخلافة أمراً وراثياً في بيت عليّ عليه السلام وهو الذي يصرّح به الدكتور أحمد أمين في قوله : إنّ الفكر الفارسي استولى على التشيّع ، والمقصود من الاستيلاء هو جعل الخلافة أمراً وراثياً كما كان الأمر كذلك بين الفرس في عهد ملوك بني ساسان وغيرهم . إلّا أنّه يلاحظ عليه : أنّ كون الحكم والملك أمراً وراثياً لم يكن من خصائص الفرس ، بل إنّ مبدأ وراثية الحكم كان سائداً في جميع المجتمعات ، فالنظام السائد بين ملوك الحيرة وغسّان وحمير في العراق والشام واليمن كان هو الوراثة ، والحكم في الحياة القبلية في الجزيرة العربية كان وراثياً ، والمناصب المعروفة لدى قريش من السقاية والرفادة وعمارة المسجد الحرام والسدانة كانت أُموراً وراثية ، حتّى أنّ النبيّ الأكرم لم يغيّرها بل إنّه أمضاها كما في قضيّة دفعه لمفاتيح البيت إلى بني شيبة وإقرارهم على منصبهم هذا إلى الأبد . فإلصاق مسألة الوراثة بالفرس دون غيرهم أمر عجيب لا يقرّه العقلاء ، فعلى ذلك يجب أن نقول : إنّ التشيّع اصطبغ بصبغة فارسية وغسّانية وحميرية وأخيراً عربية ، وإلّا فما معنى تخصيص فكرة الوصاية بالفرس مع كونها آنذاك فكرة عامّة عالمية ؟ ! إنّ النبوّة والوصاية من الأُمور الوراثية في الشرائع السماوية ، لا بمعنى أنّ الوراثة هي الملاك المعيّن بل بمعنى أنّه سبحانه جعل نور النبوّة والإمامة في بيوتات خاصّة ، فكان يتوارث نبيّ نبيّاً ، ووصيّ وصيّاً ، يقول سبحانه :